صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٨ - المقالة التاسعة في أن القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
و عليه حمل المحقق الطوسي (قدس سره) جميع الآيات الدالة على نسبة الإضلال إليه تعالى في التجريد و العلامة في شرحه صريحاً.
و ربّما استعمل بمعنى العذاب، و عليه حمل قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ* يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ ... إلى آخره.
و في رسالة الإمام الهادي (ع)[١] في قوله تعالى يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ...: فإخبار عن قدرته، أي أنّه قادر على هداية من يشاء و ضلال من يشاء ... إلى آخره.
أقول: و هذا أيضاً وجه وجيه يمكن أن يفسّر به بعض الآيات إذا ناسبه السياق، و بعد ذلك كلّه لا أظنّ بك- إن كنت من أهل الدراية و التفكّر- أن تبقى متردّداً في مفهوم الآيات الدالة على نسبة الهداية و الضلالة إلى الله تعالى، فافهم و استقم و لا تكن من الجاهلين، هذا مختصر القول في جملةٍ من الآيات القرآنية.
المقالة التاسعة: في أنّ القدر و القضاء لا ينافيان الاختيار
قد يتوهّم أنّ تعلّق قدر الله و قضائه بجميع الأشياء التي منها أفعال العباد الاختيارية يبطل تمكنهم، و يوجب اضطرارهم إلى ما يفعلون، و هو و هم فاسد، فإنّا حققنا لك معن القدر و القضاء في الجزء الأول، و ذكرنا: أنّ المراد بالأول هو ذكر تحديد الأشياء بجميع حدودها و أطرافها في اللوح المحفوظ، و بالثاني: هو ذكر حكمها الفصل النافذ المستتبع للإيجاد- و لو من غير جهة الدعاء و الصدقة في الجملة- تكوينياً كان- أي الحكم المذكور- أم تشريعياً، قال الله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
و على ضوء ذلك فنقول: إنّ الأفعال العباد الاختيارية جهتين: جهة صدورها عن فاعليها، و هي جهة تكوينية. و جهة لحاظها إلى الأحكام الشرعية، و هي جهة اعتبارية تشريعية، فمن جهتها الأولى ذكر في اللوح مثلًا: أنّ فلاناً يفعل باختياره و إرادته عملًا كذا، ساعة كذا، بكم و كيف كذا باختياره، و لا بد من أنّه يفعل كذلك. و من جهتها الثانية ذكر فيه: أنّه حرام، و له كذا مقدار من العقاب، أو واجب، و له كذا مقدار من الثواب، أو مباح أو مندوب أو مكروه، فأين
[١] - بحار الأنوار ٥/ ٨١.