صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٤ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
قُلُوبَهُمْ. و لا يقبح الإضلال و كل ما يرجع إليه إذا كان بعنوان المجازات، كما لا يخفى. انتهى.
أقول: إن أراد بالإضلال الدعاء و التكليف بترك الدين كما يدلّ عليه قوله: «و الأمر بالمعصية» فهو مقطوع البطلان، فإنّ الله لم يرسل رسولًا و لم ينزّل كتاباً إلى الكفّار يدعوهم إلى الكفر و الفسق، بل دعا لناس بأسرهم إلى الإيمان و الطاعة في جميع حالاتهم، و قال في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ، و قد مرّ نقل إجماع الأمّة على بطلانه. و إن أراد به خلق الضلالة فيهم بحيث لا يقدرون على إزالتها و سلوك الطريقة الحقة كما يقول به الجبرية، فهذا مع كونه خلاف الحسّ يبطل تكليفهم، كما قرّرنا وجهه.
لا يقال: الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
فإنّا نقول: نعم، لكنّه عقاباً لا تكليفاً على القول الصحيح، و تفصيله في أصول الفقه.
و مما يدل على بطلانه قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا، فأخبر عن إيمان من طبع على قلبه و عدم عجزه عنه، و إن أراد به خلقها على نحوٍ غير منافٍ لاختياره، كما إذا كانت الضلالة المخلوقة المذكورة مقتضية للمعاصي، لا علة تامة، فهذا لا محذور فيه، لكن استفادة ذلك من القرآن على نحو يعتمد عليه في جميع الموارد مشكلة.
فالأولى أن يحمل الإضلال المذكور في الآيات المشار إليها على أحد الوجهين:
الوجه الأول أنّ بعض أفعاله يكون سبباً لأنّ يتصف الناس- بسوء اختيارهم- بالضلالة، فإنّه تعالى كلّف الناس بالإيمان و العمل الصالح، فتمرّد عن قبوله جماعة فضلوا عن الطريق القويم، كما امتثله قوم فاهتدوا و صاروا من السعداء، فلو لا تكليفه تعالى لمّا تبرّزت ضلالة الأولين و لا اهتداء الآخرين، و هذا واضح، فضلالة الضالّين و إن كانت تابعة لمحض اختيارهم و إرادتهم، لكنّ الذي تتحق به الضلالة هو تكليف الله تعالى، فكأنّه هو الموجب لضلالتهم؛ فلذا أسندها إلى نفسه، و قال: يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ، و مثل هذا الإسناد و النسبة شائع في العرف، و كفاك فيه قول خليل الرحمن (ع) كما في القرآن: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، و قوله تعالى حاكياً عن نوح (ع): وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، إذ من