صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٨ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
و الذي يهمّ في المقام تعرضه هو ثلاث طوائف من الآيات، فنقول:
الطائفة الأولى: ما دل على أنّ الله خلق كل شيء، كقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[١]، و قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ... خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ[٢]، و قوله: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إلى غير ذلك.
و امّا قوله تعالى: أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ، فالظاهر بقرينة الصدر أنّ كلمة «ما» موصولة، لا مصدرية، فهو أجنبي عن المقام، إذ معنى الآية حينئذٍ: أنّ الله خلقكم و الأحجار التي تنحتونها، و قد اعترف الرازي في تفسيره أيضاً بذلك، فلاحظ.
و على الجملة: هذه الآيات تدلّ على أنّ الأشياء- و منها أفعال العباد الاختيارية- مخلوقة لله تعالى، و هذا هو معنى الجبر الذي يدّعيه المجبّرة.
و الجواب عنها: أولًا: أنّ الخلق بمعنى التقدير، كما قيل في قوله تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ، و على هذا فالآيات المذكورة أجنبية عن المقام، فإنّ تقدير الأشياء أزلًا لا ينافي الاختيار، كما يأتي إن شاء الله.
و ثانياً: أنّ عموم هذه الآيات غير ثابت حتى عند الأشاعرة، فإنّهم يخصّمونه بغير صفاته الثمانية القديمة القائمة بذاته تعالى، الصادر عنه بنحو الإيجاب و الاضطرار دون الخلق و الاختيار، كما صرّح به إمامهم الرازي.
قال في تفسير سورة الأنعام: و جواب أصحابنا: أنّا نخصّص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم ... إلى آخره، فإذن يصح لغير الجبري أن يخصّصه بالأدلة الدالة على اختيار العبد.
و ثالثاً: أنّه لا عموم لها ليشمل الأفعال الاختيارية من الأول لكي نحتاج في خروجها عنه إلى مخصّص؛ و ذلك لأنّ المخصّص إذا كان متصلًا لا ينعقد للعام ظهور في عمومه من الأول، إلا في غير ما شمله المخصّص، فإذا قلنا: أكرم كل عالم عادل، كان الموضوع من الأول هو العالم المتصف بالعدالة، لا مطلق العالم، و هذا واضح، و قد تقرر في أصول الفقه أنّ المخصّص كما
[١] - النساء/ ٧٩.
[٢] - الأنعام/ ١٠٢.