صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩١ - المقالة الثانية في مسلك الجبر
أقول: و قد سبقه غيره إلى هذا البيان، و ليس في كلامه شيء جديد سوى التطويل، و ضعفه ظاهر من وجوه، و إليك توضيحه: قوله: (إرادة يرجّح بها الأشياء) باطل؛ إذ لا ترجيح لإرادة العبد عندهم، و لعلّه أراد بالترجيح مجرد الميل النفسي، فينتقض دليلهم به إن كان الميل المذكور عمل النفس اختياراً.
أو يلغو كلامه إذا كان من فعل الله سبحانه، فإنّ حاله حال الفعل الخارجي في كونه خارجاً عن اختيار العبد و مستنداً إلى إرادة الله تعالى.
قوله: من أنكر هذا فقد أنكر أجلى الضروريات.
أقول: نعم، و من أنكر استناد الفعل إلى القدرة و الإرادة المذكورتين فقد كابر أيضاً وجدانه و أنكر أوضح الواضحات.
قوله: «حادثتان عند حدوث الفعل» يزيّف أولًا: بأنّهما متقدمتان على الفعل بالضرورة.
و ثانياً: بأنّه ما فائدة خلقهما عند حدوث الفعل الصادر عن الله تعالى؟ ثم ما الدليل على إثباتهما؟ فهل هو إلا تخرص.
قوله: «فإذا تهيّأ العبد بقبول هاتين الصفتين لإيجاد الفعل» فساده واضح.
أمّا أولًا فلأنّ هذا التهيّؤ إن كان من فعل العبد فقد انتقضت أدلتهم، و هدم مذهبهم. و إن كان من فعل الخالق فما فائدة هذا التطويل و التسويل؟ فإنّه جبر على جبر!
و ثانياً: أنّ تهيّؤ العبد بهما لإيجاد الفعل غير معقول، إلا مع تحققهما قبل الفعل و تقدمها عليه، فهذا يناقض قولهم بحدوث القدرة حين حدوث الفعل و إنكار سبقها عليه، و هو ظاهر.
قوله: «بتقدم الإرادة القديمة» هذا ناش من حسبان تنافي إرادة الله و إرادة العبد، و ستعرف عدم التنافي بينهما، و هو معنى الأمر بين الأمرين.
قوله: «تهيّأت صفة اختيار العبد» قد عرفت بطلان أساسه بوضوح.
قوله: «نسبة إلى العبد» لا فائدة تترتب على هذه النسبة، و هذا كما إذا أراد أحد قتل زيد مثلًا، لكنّ ثالثاً قتله، فإنّ فاعل القتل و المسؤول عنه هذا الثالث، لا ذاك المريد بلاشك لأحد من العقلاء في ذلك، و مجرد المحلّية في المقام دون المثال غير مؤثر قطعاً، و إلا لإستحقّ اليد المرتعشة العقاب إذا قتل أحداً لأجل ارتعاشها، و هو ظاهر الفساد، فافهم جيداً.
فتحصّل: أنّ قول الأشاعرة نفس قول الجهمية، فكلا الفريقين من المجبّرة الغالية، لكنّ الأشعرية تفرّدت بأمر غير معقول آخر، و هو الكسب الذي لم يعرفوا معناه!
الجبر و صحة التكليف و استحقاق الجزاء:
لا ريب أنّ الاضطرار و الجبر يبطلان الحسن و القبح و استحقاق العقاب و الثواب، بل صحة