صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨١ - بقي في المقام مسائل
الرابع: لم لا يكفي علمه أزلًا بطاعة المطيعين و معصية العاصين في إيصال الرحمة و النقمة؟
أقول: إن كان المراد بالرحمة هو تكامل المكلف في صفاته النفسانية بمزاولة الأفعال الاختيارية فعدم كفاية علمه تعالى بالطاعة و المعصية لإيصالها واضح. و إن كان المراد بها هو الثواب و العقاب فجوابه: أنّ فعلية الثواب و العقاب مترتبة على فعلية القرب و البعد من الله تعالى، و هي تابعة لفعلية الشقاوة و السعادة المتوقفة على فعلية الإطاعة و المعصية المتفرعة على فعلية الأمر و النهي، فتدبّر.
الخامس: أنّ الثواب يمكن بتوسّط الأعمال اليسيرة دون مثل هذه التكاليف الشاقّة؛ إذ ليس ثواب على قدر المشقة و عوضاً مساوياً لها، ألا ترى أنّ في التلفّظ بكلمة «الشهادة» من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقة؟ و ما يروى من أنّ أفضل الأعمال أحمزها- أي أشقّها- فذلك عند التساوي في المصالح، فلا ينافي أن يكون الأخفّ أكثر ثواباً إذا كان أكثر مصلحة[١].
أقول: و هذا التلفيق عجيب، الملفّق سلّم تبعية الثواب للأكثر مصلحة، و مع ذلك يدّعي إمكان الثواب الكثير بتوسّط الأعمال اليسيرة! و هل له دليل على أنّ كل عملٍ سهل أكثر مصلحة من كل عمل شاقّ!؟
لا يقال: الثواب و العقاب إنّما يدوران مدار الانقياد و التجرّي فقط دون ترك المصالح و ارتكاب المفاسد الواقعيتين، كما حقق في أصول الفقه.
فإنّه يقال: نعم، لكن للانقياد والتجرّي مراتب قوة و ضعفاً يتفاوت الثواب و العقاب بلحاظها قلة و كثرة، و لا ريب أنّ أهمية المصلحة أو المفسدة ممّا يوجب مزيد عناية الآمر والناهي و اهتمامه للبعث أو الزجر، و من البديهي أنّ هذا الاهتمام يقوّي مرتبة التجرّي و الانقياد فيتفاوت الجزاء أيضاً، فافهم فإنّه دقيق.
السادس: تكليف الكفّار، و الإشكال فيه من جهتين:
الأولى: أنّه لا غرض له تعالى فيه؛ لأنّ الغرض المتصور هو كونه وسيلة و ذريعة إلى الرحمة[٢]، و المفروض أنّ الله تبارك و تعالى يعلم أزلًا بعدم ترتبها عليه، و إن كان بسوء اختيار المكلف نفسه.
[١] - ذكره في المواقف و شرحها ٣/ ١٦٥.
[٢] - كما سبق. ثم إنّ هذا التوسل عقلي إن فسّرنا الرحمة بتحلّي النفس بالملكات النفسية، و تعبّدي إن فسّرناها بالثواب، فإنّ إعطاءه ابتداءً ممكن كما سيمر عليك في محله.