صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٩ - بقي في المقام مسائل
لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، و قال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، و قال: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ.
أقول: عدم الاستحقاق للثواب على الأعمال الصالحة إنّما هو بنظر العقل فقط، و أمّا من جهة الشرع فاستحقاقه عليها ضروري، على أنّ المراد بالرحمة ليس هو الثواب، بل تكامل المكلفين، كما سيأتي بحثه، و هذا لا بد في حصوله من وساطة أعمال العبد الاختيارية، و لا يمكن من دونها، كما لا يخفى، فالإشكال الأول ساقط.
ثم إنّ الإيمان و إن يستأهل العبد به للدخول في الجنة و الخلود فيها من جهة العفو أو التوبة أو الشفاعة إلا أنّه لا يبلغ في المرتبة و الكمال بمن أتى بالعبادات على وجهها، كما لا يخفى على الناظر في قواعد العدلية، فلا مجال للإشكال الثاني أيضاً، فإنّ الرحمة الرحيمية في حقّ العامل أكمل منها في حقّ التائب و المعفوّ عنه و المشفّع له، فافهم.
روي عن مولانا أمير المؤمنين (ع) كما عن الاحتجاج[١]: «إنّ الله تبارك و تعالى لمّا خلق خلقه أراد يكونوا على آداب رفيعة، و أخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرّفهم مالهم و ما عليهم، و التعريف لا يكون إلّا بالأمر و النهي، و الأمر و النهي لا يجتمعان إلا بالوعد و الوعيد، و الوعد لا يكون إلا بالترغيب، و الوعيد لا يكون إلا بالترهيب، و الترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم و تلذّه أعينهم، و الترهيب لا يكون إلا بضدّ ذلك ...» إلى آخره.
و مع الغضّ عن الجميع نقول: إنّ التوقف المذكور في المقام تعبّدي لا عقلي.
الثالث: أنّ توسّط النبي و أوصيائه (ص) في إيصال التكليف إنّما هو بالنسبة إلى هذه الأمّة دون غيرها، فكيف صاروا علّة غائية لجميع الخلق أو جميع الناس؟ هذا من ناحية، و من ناحية أخرى: أنّ جميع الأنبياء (عليهم السلام) واسطة في التكليف، فما معنى التخصيص؟
أقول: و جوابه أولًا: أنّ أمة النبي الخاتم (ص) لعلهم أكثر عدداً و أطول زماناً من بقية الأمم، بحيث لولا هذه الأمة لمّا كانت عبادة تلك الأمم- لقلّتها من كل جهة- مقصودة و علة غائية للإيجاد، و حيث إن النبي الخاتم و أوصياءه (ص) علل غائية لهذه الأمة- كما مرّ- فصاروا عللًا
[١] - البحار ٥/ ٣١٦.