صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٦ - بقي في المقام مسائل
ثانيهما: إتيان المكلّف ما أمره به باختياره لا بجبر من الله، و إلا لبطل التكليف و ما يترتب عليه من الرحمة المذكورة، و هذا خلف، و لذا تتخلّف العبادة عن التكليف خارجاً، و إلا كان التخلّف مستحيلًا؛ لأن الله هو القاهر الغالب على أمره.
ثم اعلم: أنّ المراد بالعبادة الموقوف عليها الرحمة هو الإيمان و الأعمال معاً، فإنّ المعرفة أفضل أنحاء العبادة، فلا حاجة إدخالها في سلسلة الغايات إلى دليل خاصّ، على أن الحديث القدسي المتقدم مجهول سنداً، بل ذكر المحدّث الفيض بأنّه من مجعولات الصوفية[١]، و ما اشتهر من تفسير «ليعبدون» ب- «ليعرفون» بلا مدرك، فلم يبق إلا رواية سلمة بن عطاء المتقدمة، و هي من حيث السند ضعيفة إلى الغاية، و الصحيح ما ذكرنا.
فإن قلت: بناءً على هذا تكون المعرفة و العمل في مرتبة واحدة، مع أنّه لا شك في تقدمها عليه.
قلت: تقدمها عليه خارجاً لا ينافي تقارنهما لحاظاً و غرضاً، بل بعض مراتب المعرفة متأخر عن العمل و مترتب عليه، كما يشهد له الاعتبار و الآثار، و يدل عليه قوله تعالى: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ بناءً على أنّ المراد باليقين هو بعض مراتب المعرفة دون الموت، لكنّ هذه المرتبة منها خارجة عن سلسلة الغايات، بل الغاية هي المعرفة بمقدار خاص نبيّنه إن شاء الله في مباحث المعاد، وهي التي قلنا: إنّها ملحوظة مستقلة، لا آلة إلى العمل و إن كانت شرطاً لصحته و قبوله، فافهم.
ثم إنّ إيصال التكليف إلى المكلفين و حملهم على الرشاد و السداد حيث كان وظيفة النبي و الإمام فصارا من العلل الغائبة لخلقة الإنس و الجنّ؛ إذ لو لا هما لما وصل التكليف إليهم و إن لم يقدروا على العبادة فلم يتيسر لهم التكامل و الرحمة الرحيمية، فتكون خلقتهم لغواً، و هذا خلف، و هذا معنى أنّه لو لا هما لما خلق الخلق.
و قد ورد عن الأئمة (عليهم السلام): «لولا نا ما عبد الله، و لولانا ما عرف الله[٢]، و «إنّ الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام»[٣]. و الروايات في ذلك كثيرة، و يؤيده: ما روته العامة عن النبي الأكرم (ص)
[١] - رأيت ذلك في بعض رسائله في سالف الزمان، بل أنكره جملة من علماء العامة أيضاً، لاحظ هامش إحقاق الحقّ ١/ ٤٣١.
[٢] - أصول الكافي ١/ ١٩٣.
[٣] - نفس المصدر/ ١٧٧ و لاحظ المجلد السابع من البحار.