صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٥ - بقي في المقام مسائل
و ما في رواية محمد بن الحرب الهلالي أمير المدينة، عن الصادق[١] (ع) من قوله حاكياً عن قول الله تعالى: «و لولا هما- أي النبي و أمير المؤمنين (عليهم السلام)- ما خلقت خلقي».
و ما عن ابن عباس[٢]: لمّا أراد الله أن يخلق محمداً (ص) قال لملائكته: «... فلولاه- أي النبي الأكرم- ما زخرفت الجنان، و لا سعّرت النيران ...» إلى آخره.
و ما في رواية عبد السلام بن صالح الهروي الواردة في قصّة آدم (ع) من قوله تعالى[٣]: «و لو لا هم- أي الخمسة الطيّبة- ما خلقتك، و لا خلقت الجنة و النار، و لا السماء و الأرض ...» إلى آخره.
و عن الحمويني في فرائد السمطين (كما في عبقات الأنوار[٤]) بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي (ص): «... قال- آدم-: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي و صورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولا هم ما خلقتك و لولاهم ما خلقت الجنة و النار و لا العرش و لا الكرسي و لا السماء و الأرض، و لا الملائكة، و لا الانس و لا الجنّ ... آليت بعزتي أنّه لا يأتيني أحد بمثقال حبّة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري و لا أبالي ...». و الروايات فيه كثيرة منتشرة.
إذا تقرر ذلك فأعلم: أنّه لا منافاة بين هذه الآيات و الروايات أصلًا. بيان ذلك:
أنّ الغرض الأصلي من خلقة الإنسان- و إن شئت فاذكر الجنّ أيضاً معه- هو الرحمة الرحيمية، سواء فسّرناها بتكامل النفس بالملكات الحميدة، أو بالثوب الأخروي، كما دلت عليها الآية الأولى، و صحيحة أبي عبيدة الحذّاء و غيرها، و هذه الرحمة حيث لم يمكن إيصالها إليها من دون معرفة الله تعالى و إقرارهم بوجوده و صفاته، و من دون عبادته، و الامتثال لأوامره و مناهيه، كلّفهم الله و شرع لهم معالم الزلفى.
و على الجملة: تلك الرحمة موقوفة على أمرين طوليّين:
أولهما: جعل التكليف من الله تعالى و إيصاله إلى الناس، و هذا ممّا لا بد من فعله على الله تعالى؛ لئلّا يلزم اللغو في إيجاد الإنسان، أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، و قد فعله الله تعالى.
[١] - البحار ١٥/ ١٢.
[٢] - نفس المصدر/ ٢٦.
[٣] - منهاج البراعة ٢/ ٩٢.
[٤] - العبقات ٢/ ٩٨٣.