صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٣ - بقي في المقام مسائل
و بالجملة: حدوث الاختيار بهذا المعنى هو عبارة أخرى عن حدوث فعله، و هذا ممّا لا شك فيه لأحدٍ، و أمّا حديث لزوم التسلسل فقد مرّ انحلاله بأوضح وجه في مبحث إرادته تعالى في الجزء الأول. و الإنصاف أنّ هذه الشبهة سخيفة جداً. هذا، و قد عرفت في مبحث القدرة أنّ الواجب على أصول الفلسفة فاعل مضطرّ، و علّة موجبة- بفتح الجيم- بحيث لا يقبله الإنكار.
المسألة الرابعة: قد انجلى أنّ الغرض من أفعاله ليس هو ذاته المقدسة، بل ما يرجع إلى مخلوقه من المنافع كما يحكم به العقل. و الآن نرجع إلى النقل في بيان تفصيل هذا الغرض و تعيين مصداقه، و الكلام يقع في مقامين:
المقام الأول: في تعيين الغرض من خلقة الإنسان الذي فضّله الله على كثير من خلقه، المستفاد من الأدلة أنّ العلة من خلقه أمور:
الأول: الرحمة، قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ[١].
و ظاهر أنّ مرجع الإشارة هو الرحمة.
و في صحيح أبي عبيدة الحذّاء[٢] قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الاستطاعة ... قلت: قوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ؟ قال: «هم شيعتنا، و لرحمته خلقهم، و هو قوله: وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ ...» إلى آخره.
الثاني: العبادة، قال الله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٣].
و قال الصادق (ع) كما في روايتي جميل[٤]: «خلقهم للعبادة».
و تدل عليها أيضاً رواية حبيب السجستاني، عنه (ع)[٥]، و رواية محمد بن أبي عمير عن الكاظم[٦] (ع).
الثالث: المعرفة، و يدل عليها الحديث القدسي المعروف: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لأعرف».
و رواية سلمة بن عطاء[٧] عن الصادق (ع) قال: «خرج الحسين بن عليّ (عليهم السلام) على أصحابه،
[١] - هود/ ١١٩.
[٢] - أصول الكافي ١/ ٤٢٩، و نقله المجلسي عنه في بحاره ٥/ ١٩٥ مع اختلاف جزئي في السند و المتن.
[٣] - الذاريات/ ٥١.
[٤] - البحار ٥/ ٣١٤.
[٥] - تفسير البرهان ٤/ ٢٣٩.
[٦] - نفس المصدر/ ٢٣٨ و البحار ٥/ ١٥٧.
[٧] - البحار ٥/ ٣١٢.