صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٣ - القاعدة الرابعة في تبعية أفعاله للأغراض
الثابت قبل وجود الغرض ليستوجب ذلك اتصاف الحكيم بقبيح الفعل (في حين)، بل هي تدفع القباحة المتفرعة على خلوّ الفعل عن الغرض، و كم فرق بين الأمرين! فإنّ الأول يضرّ بعظمته الذاتية أو بحكمته البالغة، و الثاني حاكٍ عن كمال قدرته و علمه و عدله و حكمته.
فالالتزام به لازم فضلًا عن كونه جائزاً، فافهم المقام حتى ينبثق لك بطلان الشبهة بوضوح وجلاء.
٢- من طريق خالقيته تعالى، و ذلك لأنّ الغرض أمر خارج عن الفعل حاصل بتوسّطه، و مثل ذلك غير معقول في أفعاله تعالى، فإنّه خالق كل شيء ابتداءً بلا توسّط غرض، فجعل بعض أفعاله غرضاً ليس أولى من جعل البعض الآخر غرضاً، نسجه بعض الأشاعرة، و فساده واضح، فإنّ توقف بعض الأمور على بعضها ممّا لا شك فيه، كتوقف الأعراض في وجودها على الجواهر، و المعلول على العلة، أليس خلق الأكل محالًا بلا إيجاد الآكل، و اللذة بلا وجود الملتذّ، و العبادة بلا وجود العابد؟! فقولهم بخالقية الواجب لكل شيء ابتداءً من أسخف القول، و قد اضطرّ بعضهم إلى الاعتراف بأنّ توقف بعض الأشياء على بعضها واقع ضرورة و عقلًا، و أنّ معنى خالقيته تعالى لكل شيء ابتداءً هو ما يقابل كلام الفلاسفة في صدور الأشياء عنه تعالى بالترتيب.
٣- من طريق التسلسل؛ إذ لو كان فعله معلّلًا بالغرض فلا بد من الانتهاء إلى ما هو الغرض و المقصود في نفسه، و إلا لتسلسلت الأغراض إلى ما لا نهاية له، ولا يكون ذلك الغرض في نفسه لغرض آخر؛ لأنّه خلاف المفروض، و إذا جاز ذلك بطل القول بوجوب الغرض، إذ قد انتهت أفعاله إلى فعل لا غرض له، و هو الذي كان مقصوداً في نفسه، استدل به الأشاعرة[١] على نفي الغرض مطلقاً، و الفلاسفة على نفي الغرض الزائد.
قال في الأسفار[٢]: إذ الغايات كسائر الأسباب تستند إليه، فلو كان لفعله غاية غير ذاته فإن لم يستند وجودها إليه لكان خرق الفرض، و إن استند إليه فالكلام عائد فيما هو غاية داعية لصدور تلك الغاية المفروضة كونه غير ذاته تعالى، و هكذا حتى ينتهي إلى غاية هي عين ذاته تعالى.
أقول: و فيه أولًا: أن وجوب تعلّل أفعاله بالأغراض ليس من أحكام العقل النظرية المجرد ليكون عدمه ممتنعاً عقلًا، فيكون نقضه بموردٍ دليلًا على بطلان أصل الحكم؛ لاستواء حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز، بل هو من أحكام العقل العملية، و لا شك أنّها تطرأ على الأمور
[١] - شرح المواقف ٣/ ١٦٣، و تفسير الرازي حول قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ في سورة الأنبياء.
[٢] - ٢/ ٢٦٣.