صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٩ - القاعدة الرابعة في تبعية أفعاله للأغراض
هي العلم التام بوجه الخير للنظام، و الإرادة الحقة لفعل الخير بالذات مطلقاً، فإذن العالم الأكبر و هو الإنسان الكامل الأعظم فاعله و غايته أولًا و آخراً و مبدءاً و مصيراً هو الله سبحانه بحسب نفس ذاته، فأمّا كل جزء من أجزاء نظام الوجود فالغرض القريب و الغاية القريبة بحسب الخصوصية شيء غير ذاته، كما أنّ فاعله القريب بحسب الخصوصية شيء غير الحق الأول ... و ليس معنى هذا الكلام أنّ فعله المطلق لا غاية و لا غرض له، بل إنّ غايته و غرضه ذاته المقدسة، و إلّا رجع الأمر إلى مذهب الأشعرية، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
فقد استبان و ظهر أنّ الحكماء إنّما ينفون عن فعل الله المطلق غرضاً و غاية أخيرة غير ذاته تعالى، و يقولون: إنّه غرض الأغراض ...؛ لكونه علّة العلل ... و لا ينفون الغرض و الغاية و العلة و الغائية، بل يثبتون أغراضاً و غايات و كمالات مترتبة منتهية إليه سبحانه، بخلاف الأشاعرة فإنّهم يسدّون باب التعليل مطلقاً، و بخلاف المعتزلة أيضاً فإنهم يثبتون في فعله المطلق غرضاً غير ذاته ... إلى آخره، و مثله غيره من كلامه[١]، فلاحظ.
و من هذا يظهر أنّ ما ذكره الجرجاني و غيره من أنّ جهابذة الحكماء و طوائف الإلهيين موافقون لنا (يعني في نفي الغرض) غير صادق، بل هو من الجهالة بمذهب الفلاسفة.
الرابع: مذهب فقهاء العامة من أنّ أفعاله تعالى تابعة لمصالح العباد تفضّلًا و إحساناً، و إن لم تكن التبعية المزبورة واجبة.
الخامس: ما عن ابن هيثم- من الظاهرية- من أنّ أفعاله غير معلّلة عقلًا، لكن حيث دلت النصوص و الظواهر الكتابية على كونها معلّلة فلا بد من الأخذ بها[٢].
السادس: ما عن شارح المقاصد من التفصيل، قال: الحقّ أنّ تعليل بعض الأفعال لا سيما شرعية الأحكام و المصالح ظاهر، كإيجاب الحدود، و الكفّارات، و تحريم المسكرات، و ما أشبه ذلك، و النصوص أيضاً شاهدة بذلك، كقوله تعالى: ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[٣]،
[١] - و قد تعرض له في الأمور العامة أيضاً، لا حظ الأسفار ٢/ ٢٧٣.
[٢] - حاشية إحقاق الحقّ ١/ ٤٢٢.
[٣] - الذاريات ٥١/ ٥٦.