صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٤ - إرشاد و تنبيه
فقد شرط، فإنّ العقل لا يستقل بشيء منهما، بل المراد طلبه الفعلي من غير جهة العلم، فطبعاً يكون معناه هو كتابته في اللوح المحفوظ التي فسّرنا بها الإرادة التشريعية، فافهم فإنّه دقيق.
و اعلم أنّ المراد من هذه الكبرى- أي «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»- ليس بأنّ الشرع يحكم بعين ما حكم العقل، بمعنى تصديق الشرع إيّاه ليكون الحكم واحداً و الحاكم اثنين؛ إذ لا بعث و زجر للعقل، بل حكمه إدراكه، فمعنى هذه القاعدة حينئذٍ أنّ الشارع يصدّق العقل في إدراكه، و هذا يرجع إلى ما تقدم من إثبات الحسن و القبح العقليين، خلافاً للأشعرية، و لا بمعنى أنّ حكم العقل عين حكم الشرع، بدعوى أنّ العقل رسول الشارع في الباطن، كما أنّ الرسول عقل في الظاهر، فحكم الشرع قائم بالعقل، حيث إنّه لسان الشرع، ليكون الحكم واحداً و الحاكم أيضاً واحداً، كما يظهر من بعض أهل المعقول و بعض كلمات بعض الأصوليين، بل بمعنى أنّ ما يحكم به العقل- أي يدركه- يحكم به الشرع، فيكون هنا حكمان و حاكمان، كما عرفت وجهه.
هذا كله في صحة القول الأول، و أمّا القول الثاني فله وجوه من الاستدلال، لكنّها ضعيفة بأسرها، و المقام لا يسع نقلها و ردّها.
نعم، للمحقق صاحب الفصول (رحمه الله) تفصيل آخر، و هو: أنّ الملازمة المذكورة تامة في مقام الإثبات عملًا بعموم الآيات و الأخبار، و أصالة عدم الجهة المعارضة و غيرها، لا في مقام الثبوت لوجوه ذكرها في فصوله، و إنّما الملازمة فيه بين حسن التكليف عقلًا و وجوب صدوره من الشارع؛ لأنّ علمه و حكمته و غناه و قدرته تمنع وقوع خلاف ذلك منه، و جهات الفعل المحسّنة أو المقبّحة لا تكفي لحسن التكليف به؛ لاحتمال المانع في نفس التكليف، و استدل على ذلك بوجوه ستّة كلها غير صالحة للاستدلال، عمدتها أنّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت الأحكام العقلية في حقه كغيره من الكاملين، و مع ذلك لم يكلفه الشارع؛ لأنّ في ترك تكليفه مصالح. و هنا وجه آخر ذكره الفاضل التوني- كما في مطارح الأنظار- من أنّ التكليف بما يستقل به العقل لطف كما قاله أصحابنا و المعتزلة، و العقاب بدون اللطف قبيح، فالعقاب بدون التكليف قبيح، فإذن بطل حديث الملازمة.
أقول: و أجاب في مطارح الأنظار عن الأول: بأنّ الأحكام الشرعية أيضاً ثابتة في حق الصبي المذكور بعد ما أدرك الحكم العقلي، كحرمة الظلم، أو وجوب ردّ الوديعة، غاية ما في الباب أنّه معفوّ عنه بالشرع تفضّلًا، كما في المعاصي الصغيرة مثلًا، مع أنّ الحكم بثبوت العفو في بعض المقامات كما لو فرضنا فيما لو قتل الصبي قبل بلوغه بساعة مع كمال عقله و إدراكه نبياً أو وصي نبيٍّ في غاية الصعوبة، فإنّا ربما يخالف العدل على ما لا يخفى.