صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٩ - المقام الثاني في إدراك العقل العملي للحسن و القبح
و بالجملة: العلة مخصصة للحكم المذكور بالعقلاء، و لا تعمّ الواجب و إن كان رئيساً للعقلاء، فلا بد أن يقال في تتميم الاستدلال و دفع الإشكال: بأنّ الله مدبّر العقلاء و مصلح أحوالهم، و لذا جرى حكمه في حق عباده بما جرت عليه أحكامكم على مراعاة ما يحفظ به نوعهم و يدفع به المفاسد عنهم و يجلب به مصالحهم، و قد أخبر بذلك كله، حيث قال: وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ[١]، و قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ[٢] و قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ[٣] ... إلى آخره. و الآيات القرآنية في ذلك كثيرة، و لا سيّما أنّ الأصلح واجب عليه تعالى كما يأتي.
فتحصّل: أنّ ما حكم به العقل يحكم به الشرع، و أنّ الحكم المذكور لا يختص بالعقل، بل هو شأن كل من انكشف له الواقع كما عرفت وجهه[٤]. و أمّا ما تقدم من بعض المحققين العباقرة من عدم إمكان الحكم المولوي على وفق حكم العقل، فهو مبني على أن يكون الثواب و العقاب عين المدح و الذم كما يظهر من تقريبه، و لذا قال أيضاً تأكيداً له: إنّ المدح و الذم اللذين يترتب عليهما حفظ النظام عند العقلاء ما يعمّ الثواب و العقاب، أعني المجازات بالخير و المجازات بالشرّ، و لذا جزم غير واحد من أرباب النزاع في المسألة بأنّ مدح الشارع ثوابه، و ذمّه عقابه، مع وضوح أنّ ترتب الثواب و العقاب عند الجمهور من الأصوليين بل المتكلمين على موافقة البعث و الزجر و مخالفتهما بحكم العقلاء لا بنصب الشارع، و ليس الوجه فيه إلا أنّ موافقة التكليف الواصل عدل في العبودية، فيستحق المدح و الثواب، و مخالفته خروج عن زيّ الرقية فيكون ظلماً على المولى، فيستحق الذم و العقاب، و إلا فلا حكم آخر من العقل في باب الثواب و العقاب بالخصوص، فيعلم منه أنّ استحقاق المدح عندهم يعمّ الثواب، و استحقاق الذم عندهم يعم العقاب. انتهى.
أقول: المدح و الذم لا يستلزمان المجازات دائماً عند العقلاء، كما إذا سرق محتاج مالًا قليلًا من غني فإنّه يستحق الذم دون المجازات[٥]. و قد تقدم أيضاً ما يدل على تغايرهما في
[١] - البقرة ٢/ ٢٠٥.
[٢] - المائدة ٥/ ٦٤.
[٣] - النحل ١٦/ ٩٠.
[٤] - و أمّا ما أورد عليه المحقّق صاحب الفصول فهو خلاف الفرض من استقلال العقل بحسن الفعل أو قبحه بلا جهة مانعة، فلا حظ، نعم ما فرضناه أيضاً نادر. كدرك العقل لزوم حفظ النفس على جميع المكلفين كفايته.
[٥] - و أمّا مخالفة المولى في أوامره فهو يقتضي جواز المجازات عند العقلاء، و عليه فالعقاب من الشارع بحكم العقلاء، و أمّا الثواب فالأمر ليس فيه كذلك، بل هو تفضّل محض، كما يأتي بحثه في محلّه.