صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٨ - المقام الثاني في إدراك العقل العملي للحسن و القبح
٣- ما اختاره بعض المحققين من أهل التدقيق[١] من عدم إمكان حكم الشارع بخلافه و لا بوفاقه مولوياً. أمّا الأول فلأنّ التحسين و التقبيح العقليين ممّا توافقت عليه آراء العقلاء، فلا محالة لا يعقل الحكم على خلافه من الشارع؛ إذ المفروض أنّه مما لا يختص به عاقل دون عاقل، و الشارع رئيس العقلاء.
و أمّا الثاني فلأنّ التكليف المولوي هو الإنشاء بداعي جعل الداعي، و هذا لا يمكن إلّا بلحاظ ما يترتب على موافقته من الثواب و على مخالفته من العقاب، و حيث إنّ المفروض أنّ العدل يوجب استحقاق المدح و الظلم يوجب استحقاق الذم عند العقلاء و منهم الشارع فهو كافٍ في الدعوة من قبل الشارع بما هو عاقل، ولا مجال لجعل الداعي بعد ثبوت الداعي من قبله؛ فإنّ اختلاف حيثية العاقلية و حيثية الشارعية لا يرفع محذور ثبوت داعيين متماثلين مستقلين في الدعوة بالإضافة إلى فعل واحد؛ لأنّ الواحد لا يعقل صدوره عن علّتين مستقلين في الدعوة.
٤- ما ذكره جماعة من إثبات الملازمة في الأحكام الراجعة إلى الأصول، و إنكارها في الأحكام المتعقلة بالفروع.
٥- ما عليه بعض الأفاضل من إنكارها في النظريات خاصة، نقلها صاحب الفصول.
أقول: الصحيح هو القول الأول، فإنّ الحسن و القبح المذكورين: إمّا من الأوليات، و إمّا من المشهورات، فإن كانا من الأوليات- و هي القضايا الموافقة لما عليه الوجود و نفس الأمر- فعدم حكم الشارع بما حكم به العقل: إمّا من جهة أنّ الممدوح الواقعي ليس ممدوحاً عنده، و المذموم الواقعي ليس مذموماً عنده، فيلزم جهله بنفس الأمر، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. و إمّا من جهة أنّ الحسن و القبح لا يوجبان استحاق المدح و الذم عنده، فهذا ترجح بلا مرجّح، فإنّ الاستحقاق المذكور متساوي النسبة إلى الشارع و غيره من العقلاء، فكيف يحكم به العقلاء دون الشارع بما هو عاقل؟ و كذا إن كانا من المشهورات فإنّ الشارع كأحدٍ من العقلاء، بل رئيسهم و المفروض أنّها ممّا تطابقت عليه أراؤهم لأجل حفظ مصالحهم و بقاء نوعهم فيكون الشارع حاكماً بها.
أقول: و يمكن أن يورد عليه: بأنّ المشهورات المذكورة ليس لها واقع سوى تطابق الآراء عليها المسبب عن حفظ النوع والمصلحة و المفسدة العامتين كما دريت، و هذا السبب لا يجري في حقّه تعالى؛ إذ لا نوع له، و شخصه محفوظ بذاته و لا يعقل رجوع المصلحة و المفسدة إليه، فإذن كيف نعلم أنّه يحكم بما يحكم به العقلاء لأجل السبب المذكور؟
[١] - و هو التحرير الجامع بين المعقول و المنقول محمد حسين الإصفهاني في نهاية الدراية في شرح الكفاية ٢/ ١٢٨.