صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٥ - تعقيب و تحقيق
إن شاء الله.
و الوجه الرابع ردّ بمنع كون الأمر بما لا يريد سفهاً و باطلًا، و إنّما يكون كذلك لو كان الغرض منحصراً في إيقاع المأمور به، و ليس كذلك؛ لأنّ الممتحن لعبده أنّه هل يطيعه أم لا؟ قد يأمره و لا يريد منه الفعل.
أقول: و هذا من أسخف القول؛ إذ في الأوامر الامتحانية و نحوها و إن لم تكن الإرادة الجدية متعلقة بالمأمور به، إلا أنه لا شكّ في تحققها و تعلقها به في غير موارد الامتحان، فإن كل من يأمر بشيء و يطلبه فهو يريده، و هذا بديهي جداً، و المقام من القسم الثاني، فإنّ ما طلبه الله تعالى من الناس من الإيمان و العمل الصالح و ترك الكفر و الفسق ليس بطلب امتحاني، بل هو طلب واقعي نشأ عن إرادة جدية.
لا يقال: كيف يكون التكليف جدّياً، و الحال أنّه تعالى يعلم أنّ الكافر و الفاسق لا يمتثله؟
فإنّه يقال: الغرض من التكليف ليس هو فعلية الدعوية نحو متعلقه، و إلا لبطل في مثل ما يرغب الطبع فيه، كالأكل و النكاح و ... أو عنه، كأكل القاذورات، فإنّ الإتيان بالأول و الانصراف عن الثاني ليسا بانبعاث من التكليف الإلهي، بل بداعٍ نفساني كما هو واضح، بل الغرض منه هو إمكان دعويته إلى ما تعلق به، و هذا المناط موجود في المطيع و العاصي، ضرورة أنّ تمردّ الكافر و الفاسق عن الامتثال لا يبطل إمكان داعوية التكليف، و إنّما يبطل فعليتها، و سيأتي بعض الكلام فيه في قاعدة تعلّل أفعاله بالأغراض إن شاء الله. و الوجه الخامس متين جداً، و ما اعتذر به ركيك قطعاً، و مهما كان فالجبر يبطل التكليف، و مثله الوجهان الأخيران، فافهم.
و أمّا ما لفّقه الأشاعرة فيزيّف وجه الأول بما سيأتي من كيفية استناد أفعال العباد الاختياري إليه تعالى، مع أنّ الكبرى منتقضة بالرضا، فإنّ خالق الشيء بلا إكراه راضٍ به بالضرورة، و هم لا يلتزمون به؛ لأنّ الله لا يرضى لعباده الكفر، و منه يظهر الحال في الوجه الثاني أيضاً، و أما الوجوه الثلاثة المستدل بها على القضية السلبية فهي ظاهرة الفساد.
أمّا الأول فلأنّ المراد بتعلق إرادته بإيمان الكفّار هو تعلق الإرادة التشريعية دون التكوينية؛ إذ ليس للإنسان إلا ما سعى، و لو شاء الله إيمانهم بالمشيئة التكوينية لآمنوا بلا ريب.
و أمّا تعلق إرادته التكوينية بالأفعال فسيأتي بيانه إن شاء الله، و ستعرف أنّه منزّه عن الفحشاء، و لا يدخل في ملكه ما لا يشاء، و هذا أمر لطيف غامض لم يصل إليه نظر الأشعري و لا عقل المعتزلي!
و أمّا الثاني فسيأتي حلّه فيما بعد كما وعدناك من قبل هذا أيضاً.
و أمّا الثالث فالمشيئة فيها محمولة على المشيئة الجبرية و القسرية، فهي دليل آخر على