صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤ - وهم و إزاحة
وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[١] ... لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ[٢]
وجه الدلالة: أن الإدراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه إلا الرؤية بالعين، فإذا قيل: أدركته ببصري و ما رأيته، أو قيل: رأيته و ما أدركته ببصري، كان الكلام متناقضاً عند كلّ عاقل عارف باللسان العربي. فمعنى الآية: أنّ الله لا يراه أحد و لكنه يرى الأبصار، و هذه الصفة مختصة به تعالى بناءً على إنكار المجردات و صحة رؤية الملك و الجن. نعم، الآية تدلّ على نفي الوقوع دون الإمكان.
و قيل: إنّ الله سبحانه تمدّح بذلك؛ و لذا ذكره في أثناء المدائح فهو كمال و الصفة إذا كان أحد طرفيها من الوجود أو العدم، كمالًا كان الآخر نقصاً فيمتنع عليه تعالى، و أمّا الفعل فهو ليس كذلك؛ إذ يمكن كون عمل مدحاً و كمالًا و عدمه ليس بقبيح و نقصاً، كما في العفو و الانتقام، فإنّ الأول تفضّل، و الثاني عدل، و كلاهما كمال.
أقول: و فيه: أنّ عدم كونه مرئياً ليس من الصفات الذاتية، بل هو من الأوصاف المدحية كما مرت، و هي مثل الأفعال، و لذا كونه تعالى مشكوراً و معبوداً كمال و حسن، مع أنّ عدمهما ليس بنقص له، فإذا لم يشكره شاكر و لم يعبده عابد لا يكون ذلك نقصاً له، فافهم جيداً.
نعم، إطلاق الآية و ذكر نفي الرؤية المذكورة في مقام التمدحٍ دليلان على أنه لا يرى مطلقاً، لا في الدنيا و لا في الآخرة، فرضنا الرائي رسولًا كريماً أو زنديقاً لئيماً.
وهم و إزاحة:
ناقش في هذا الاستدلال جماعة من أتباع الاشعري بوجوه عدّها الرازي في تفسيره- ذيل الآية الشريفة- إلى ستّة أوجه، لكنّها ممّا لا يستحق الجواب؛ لوضوح فسادها، و مع ذلك فنحن نذكر ما هو أهمها لتعرف الحال في غيره.
قال: لا نسلّم أنّ إدراك البصر عبارة عن الرؤية. و الدليل عليه: أنّ لفظ «الإدراك» في أصل اللغة عبارة عن اللحقوق و الوصول ... فالحاصل: أنّ الرؤية جنس تحتها نوعان: رؤية مع الإحاطة، و رؤية لا مع الإحاطة، و الرؤية مع الإحاطة هي المسمّاة بالإدراك. فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، و نفي النوع لا يوجب نفي الجنس، فلم يلزم من نفي الإدراك عنه تعالى نفي الرؤية عنه، فهذا وجه حسن مقبول.
أقول: و هذا وجه قبيح مردود عليه:
[١] - الأنعام ٦/ ١٠١.
[٢] - الأنعام ٦/ ١٠١.