صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣٩ - تذييل و تسجيل
المتقدمة، كما لا يخفى على العارف باللغة.
و أمّا حديث ملكيته تعالى فهو لا يفيدهم شيئاً؛ لأنّ للملكية حدوداً معينة لا يجوز تجاوز المالك عنها، ألا ترى أنّ المالك لعبد إذا أراد تعديبه و إحراقه بلا جهة أعدّ عند العقلاء سفيهاً ظالماً يستحق اللوم و الذم. فالملكية لا تبيح القبائح العقلية أصلًا[١] قال الله تعالى: وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ[٢]، فالله سبحانه و إن كان قادراً على كل شيء لكنّ حكمته البالغة لا تجوز له فعل القبيح أصلًا.
فتحصّل: أنّ أفعاله متصفة بالحسن، بل مرّ أنّ فعل الحسن لازم عليه، فافهم.
تذييل و تسجيل:
قد تكرّر في لسان العدلية في مباحث هذا المقصد: أنّه يجب على الله تعالى كذا، و أنّه لا يجوز له كذا، و ظن بعض من لا تحصيل لهم أنّ هذا يستلزم كونه تعالى مأموراً لغيره، و أنّ غيره حاكم و آمر عليه، فلذا أنكروه قائلين: إنّه لا آمر بالنسبة إليه تعالى، بل هو الحاكم المطلق، و حينئذٍ لا بد من بيان الوجوب المذكور ليتضح الحال.
فنقول: إنّهم عرّفوا الواجب بتعاريف ثلاثة:
١- إنّه ما يستحق تاركه الذم عند العقل.
٢- إنّه ما لا يلزم صدوره؛ لإخلاله بالحكمة لو لم يصدره.
٣- إنّه ما على الله أن يفعله البتّة و إن جاز تركه.
أقول: مرجع الكل شيء واحد كما هو ظاهر. نعم، لا بد من تقييد الذم الماخوذ في التعريف الأول بمرتبة خاصة؛ لئلّا يشمل المستحب العقلي أيضاً، فتأمل. و المراد بالجواز في التعريف الأخير هو الإمكان، فإنّ القبيح مقدور يمكن صدوره عن الله تعالى، لكنّه لا يفعله لحكمته، و هذا كما أنّ العقلاء قادرون على القبائح و لكنّهم لا يرتكبونها؛ لدلالة عقولهم على قبحها و لزوم الاجتناب عنها.
و الحاصل: أنّه تعالى قادر على كل شيء، لكنّه لكمال ذاته و جلال وجهه لا يفعل ما هو مذموم و شنيع البتّة بحكم العقل و إدراكه، و نسمّي هذا الإدراك بالوجوب، فإذا قلنا: إنّه يجب
[١] - و يظهر من بعض سادة العصر أنّه رضي بمقالة الأشعريين، و أنّ ملكيته تعالى ملكية مطلقة من جميع الحيثيات، فلا يقبح منه شيء، و لكنّه جرى في معاملته مع عباده- في تشريعه و جزائه- على وفق ما عليه العقلاء من التحفّظ على الحكم العقلي المذكور. لاحظ تفسيره الميزان ١/ ٩٣، و يظهر بطلانه ممّا ذكرناه في المتن.
[٢] - هود ١١/ ١١٧.