صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣ - المطلب الأول في أنه تعالى لا يمكن أن يرى
و بالجملة: لو تمّ هذا الشكّ لارتفع الأمان عن الأحكام العقلية رأساً.
و أما ما يقال من أنّ هذا الأمر لو كان ضرورياً لم يقع فيه اختلاف من العقلاء، ففيه ما مرّ في أول هذا الكتاب، من أنّ الضروري لا ينافي اختلاف الناس فيه، و إلا لم يبق ضروري لنا.
٢- أنّه تعالى ليس بجسم فضلًا عن جسم كثيفٍ فلا يرى، و إلا للزم رؤية العلم و الشجاعة و الحياء و طعوم الأطعمة، بل و الأمور الواقعية: كاستحالة المستحيلات، و إمكان الممكنات و الاستعدادات، و ملازمة الزوجية للأربعة و نحو ذلك، و لا يظن بعاقل أن يلتزم بها، فيكون بطلان التالي دليلًا على فساد المقدّم.
٣- لو كان الواجب مرئياً لكان له ضياء، و لكنّه لا ضياء له؛ لاستحالة كونه محلّاً للحوادث، فلا يمكن رؤيته. و أمّا بناءً على أنّ الرؤية بخروج الشعاع من المرئي الى الرائي فالاستحالة أظهر؛ إذ لا يتولّد منه تعالى شيء.
٤- لو يرى فإمّا أن يرى كلّه، و إمّا أن يرى بعضه بالضرورة، لكنّ الأول يوجب تحديده و تناهيه، و هذا محال عقلًا و نقلًا و اتقاقاً، و يلزم أيضاً منه خلو سائر الأمكنة عنه. و الثاني فاسد، ضرورة، للزوم التركّب من التبعّض فينقلب من الوجوب الى الإمكان.
٥- كلّ مرئي مشار إليه بالضرورة، و الواجب القديم ليس بمشار إليه عقلًا، و الا لزم تحيزه و اتفاقاً ممن نبحث معه في المقام.
٦- لو كان مرئياً لأحد لكان معلوماً له، لكنه ممتنع المعلومية لغيره عقلًا و نقلًا و اتفاقاً، بيان الملازمة: أنّ المرئي أولًا و بالذات- في الأجسام- هو الأعراض، و حيث إنّه لا عوارض للواجب القديم باتفاق الطرفين فيكون المرئي ذاته، و هذا معنى أنّ رؤيته مستلزمة لإدراك ذاته فتكون ممتنعة.
و علي الجملة: الرؤية المربوطة بالواجب بمعنى العلم، سواء كانت منه أم عليه، فإذا قيل: إنّ الله يرى يعنى به أنّه يعلم. و إذا قيل: إنّه يرى- بضم الياء و كذا في ما بعده- يعنى به أنّه يعلم، فافهم.
فهذه أدلة قويمة قوية قطعية على استحالة رؤيته تعالى.
و أما الدلائل النقلية و الآيات القرآنية على ذلك، فإليك بيانها:
٧- قوله تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً[١] كذا كلّ ما دلّ على أنّه لا يعلم بالتقريب المتقدم.
٨- قوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ
[١] - طه ١٠/ ١١٠.