صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢ - المطلب الأول في أنه تعالى لا يمكن أن يرى
لكنّ هذا الجواب ضعيف جداً[١]. وحكى عن المحقّق الطوسي[٢] و غيره: أنّه لا يلزم من رؤيتنا جميع أجزائه أن نراه كبيراً، و إنّما يلزم ذلك لو كان صغر المرئي و كبره بحسب رؤية الأجزاء و عدمها، و ليس كذلك، بل صغر المرئي و كبره بحسب صغر الزاوية الجليدية و كبرها على ما بيّن في علم المناظرة، يعني أنّ هذه الزواية كانت أو سع إذا كان المرئي أقرب من الحدقة و أضيق إذا كان المرئي أبعد منها.
أقول: و أورد عليه صاحب المواقف باعتراض مبنيّ على تركب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزّأ، و حيث إنّها باطلة بالضرورة كما أشرنا إليها في المقصد الأول أهملنا بيانه، مع ضعفه من غير هذه الجهة أيضاً.[٣]
فتحصّل: أنّ اجتماع هذه الأمور بأسرها علة تامة للرؤية، و لا يعقل التخلّف أبداً. كما أن انتفاءها بأسرها يوجب انتفاء الرؤية بعين الملاك، و أمّا انتفاء بعضها فلا يستلزم انتفاءها مطلقا، بل فيه تفصيل، فإنّ ارتقاع الشرط الأول والخامس و التاسع مثلًا يوجب امتناع الرؤية، و انتفاء الثاني و السادس و السابع لا يوجب إلا نفيها عادةً.
و بالجملة: الشرط إن كان عقلياً فعدمه يوجب استحالة الرؤية عقلًا، و إن عادياً فبنفيه تمتنع الرؤية عادةً، و هذا واضح للعقلاء.
إذا تقرر ذلك فاعلم: أنّ الواجب القديم المنزّه عن الجسم و لوازمه لا يمكن أن يرى، كما عليه الإمامية و المعتزلة و الحكماء، و الدليل عليه من وجوه:
١- أنّ كل مرئي لا بدّ أن يكون مقابلًا بالضرورة البتّية العقلية، و كلّ مقابل فهو في جهة بالضرورة، فلو كان الله مرئياً لكان متحيزاً في جهة، و سيأتي أنّ تحيّزه في الجهة محال عقلًا، و متفق عليه بيننا و بين من نريد إرشاده أيضاً، فتكون رؤيته أيضاً محالًا.
لا يقال: الكلّية القائلة بأنّ كلّ مرئي لا بد أن يكون مقابلًا، لا تزيد وضوحاً على الكلّية القائلة بأن كلّ موجود يجب أن يكون في جهة، فكما أنّ الثانية وهمية لا يعتنى بها، فكذلك الأولى فلتكن عاديةً لا عقلية.
قلت: بينهما بون بعيد و اختلاف شديد، فإنّ الثانية وهمية كاذبة يفنّدها العقل في حلقه، بخلاف الأولى فإنّها ثابتة قطعية عنده.
[١] - و بيان ضعفه: أنّا نفرض هذا التفاوت الذي ذكر في هذه الخطوط ذراعاً، فلو كان عدم رؤية الطرفين لأجل البعد، فإذا فرض أنّه بعد المرئي بقدر ذلك البعد الذي لطرفيه وجب أن لا يرى أصلًا مع أنّه يرى حسّاً.
[٢] - شرح القوشجي/ ٣٧٠.
[٣] - لا حظ حواشي شرح القوشجي على التجريد/ ٣٧٠.