صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١١١ - تدليل و تدعيم
العلم هو نفس ذاته المقدسة، فوجود صفاته عين وجود ذاته.
و قد تقدم أنّ قيام المبادئ بذويها على أنحاء مختلفة، و المشتقّات لم توضع لواحد معين بخصوصه، بل لمجرد القيام، و الخصوصية مستفادة من الخارج[١]، ألا ترى أنّ قيام العقل ربما يكون حلولياً كما في قولنا: زيدا عاقل، و ربما يكون ذاتياً كما في قولنا: العقل عاقل- عالم-، و قيام الضوء ربما يكون صدورياً، و ربما حلولياً، و ربما ذاتياً، كقولنا: الشمس مضيئة القبّة مستضيئة و الضوء مضيء؟
و بالجملة: لا مجال لقياس الواجب على الممكن؛ لتباين أحكامهما و تفاوت آثارهما.
أليس العلم مثلًا لازماً لذاته تعالى عندهم؟! و ليس كذلك لنا، أليس الرضا و الغضب فينا بمعنى يمتنع عليه تعالى؟ فهل يعقل أن يقال: إنّ العرف لا يفهم من الغضب و الرضا إلا ما يحلّ بنا فنقيس الغائب على الشاهد؟!
و بالجملة م العرف إنّما هو يتبع في بيان المفهومات فقط، و أمّا تشخيص المصداق و خصوصيات الأفراد و كيفية تطبيق هذه المفاهيم على مصاديقها فهو بحكم العقل. فنحن نتبع العرف في أنّ مفهوم العالم من انكشف لديه الأشياء، و أمّا كيفية هذا الانكشاف و قيام العلم بذات العالم فهما تابعان لخصوصية الموارد و المصاديق. فافهم حتى لا تكون من المشبّهة و من الذين قلّدوا العوامّ في أصول دينهم فكان عاقبة أمرهم خسراً.
فتحصّل أنّ هذا الفاضل و إن تفرد- بزعمه- عن أصحابه في الاستدلال، لكنه ما أتى بشيء يجدي لرفع تحيرهم. و غاية كلامه متابعة أهل السوق في فهم أسرار التوحيد!!
و بعد ذلك كله فقد حان أن نقبل القول الأول و ندين به، فإنّ بطلان الأقوال الخمسة المذكورة يعيّن الالتزام به، و لأنّه أليق بذاته تعالى، و لأنّه لا محذور فيه أصلًا، و هذا هو مذهب أئمة أهل بيت نبينا (ص) و مذهب الإمامية و كثير من المسلمين من غيرهم، كما مر في كلام شيخنا المفيد (رحمه الله).
تدليل و تدعيم
و الذي يدل من العقل و النقل على صحة القول بالعينية و نفي الزيادة الذي سمّاه أمير المؤمنين (ع) بكمال الإخلاص و ابنه الرضا (ع) بنظام التوحيد و كماله، أمور:
١- حلول الصفات المتباينة المذكورة الثمانية- أو أكثر منها- بذاته تعالى، و قيامها بها،
[١] - راجع مبحث: تكلّمه تعالى في الجزء الأول.