صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١١ - المطلب الأول في أنه تعالى لا يمكن أن يرى
٩- أن يكون المرئي مضيئاً أو مستضيئاً، أي كونه ذا ضياء بنفسه أو من غيره؛ و ذلك لأنّ الجسم الملون لا يشاهد في الظلمة، بل إنّ اللون- و هو مبصر بالذات- لا يري إلّا بالضوء فكيف حال غيره؟ بل ذهب ابن سينا و غيره من مشاهير الحكماء[١] إلى أنّ الضوء شرط لوجود اللون، لا لظهوره فقط، فالمرئي لا بد أن يكون ذا ضوء.
لا يقال: إنّه قد يكون مانعاً من الرؤية كما في رؤية جرم الشمس فإنّها لا ترى لأجل ضوئها.
فإنّه يقال: الذي جعلناه شرطاً هو حدّ مخصوص منه، و المانع هو المرتبة الشديدة منه.
١٠- توسّط الشفّاف بين الرائي و المرئي كما قيل، و قيل: إنّه غير عدم الحجاب، و أسقطه بعضهم مع الرابع و السابع. و قيل برجوع الأخير إلى عدم الحجاب. لكنّ إسقاط الرابع و السابع لا وجه له.
و عند تحقق هذه الشرائط تقع الرؤية بالضرورة البتية، فهو علّة تامة لها قطعاً، و ما تخيّله الأشعري من أنّ توقفها على الأمور المذكورة إنّما هو بحسب العادة دون العلّية الواقعية فيمكن تحققها مع فرض عدم الرؤية، سفسطه واضحة لا يجوز صرف الوقت في ردّها أبداً، فمهما وجدت هذه الأمور فقد امتنع عدم الرؤية بالضرورة، و الضروريات مما لا يمكن أن تتعلق بها القدرة و لو كانت أزلية.
نعم، للقادر القديم أن يمنع من تحقيق العلّة بتمامها أو بعض أجزائها فيمتنع المعلول[٢]، و أمّا منع المعلول مع وجود علّته التامة فهو ممّا لا يمكن القول به من العاقل، فإنّه بمنزلة منع أنّ ضرب الخمسة بنفسها ينتج خمسةً و عشرين!
و لعلّك تقول: فكيف نرى الشيء الكبير من البعيد صغيراً؟ و ما ذلك إلا لعدم رؤيتنا جميع أجزائه مع تساويها في حصول الشرائط المذكورة، فقد ثبت جواز تخلف الرؤية عن تلك الشرائط.
لكن يمكن أن نجيبك بأنّ التفاوت من جهة القرب و البعد، فنرى القريب منها دون البعيد، و يتحقق هذا التفاوت بخروج خطوط ثلاثة من الحدقة إلى المرئي، أحدها عمود و الباقيان ضلعا مثلث قاعدته المرئي، فالعمود أقصر لأنّه يوتر الحادّة، و الضلعان أطول لأنّهما يوتران القائمة.
[١] - لا حظ الشوارق و غيرها.
[٢] - و منه قوله تعالى: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً( الإسراء ١٧/ ٤٥).