توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ١٦٣ - الفصل الأوّل توقيعات الناحية المقدّسة
فدخل عليه فقال له: يابا محمّد، ما هذا الذي بيدي، وأراه خاتماً فُصّه فيروزج، فقرّبه منه فقال عليه ثلاثة أسطر، فتناوله القاسم رحمه الله فلم يمكنه قراءته، وخرج الناس متعجِّبين يتحدّثون بخبره، والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له: إنّ اللَّه مُنزِلك منزلةً ومرتبك مرتبةً فاقبلها بشكر، فقال له الحسن: يا أبة، قد قبلتها، قال القاسم: على ماذا؟ قال: على ما تأمرني به يا أبة، قال: على أن ترجع عمّا أنت عليه من شرب الخمر، قال الحسن: يا أبة، وحقّ مَن أنت في ذكره لأرجعنّ عن شرب الخمر ومع الخمر أشياء لا تعرفها، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال: اللهمّ ألْهِم الحسن طاعتك وجَنِّبهُ معصيتك- ثلاث مرّات- ثمّ دعا بدرج فكتب وصيّته بيده رحمه الله وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه.
وكان فيما أوصى الحسن أن قال: يا بُنيّ، إن أُهِّلت لهذا الأمر- يعني الوكالة لمولانا- فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيذة، وسائرها ملك لمولاي، وإن لم تُؤهَّل له فاطلب خيرك من حيث يتقبّل اللَّه، وقبل الحسن وصيّته على ذلك، فلمّا كان في يوم الأربعين وقد طلع الفجر مات القاسم رحمه الله، فوافاه عبدالرحمن يعدو في الأسواق حافياً حاسراً وهو يصيح: واسيّداه، فاستعظم الناس ذلك منه، وجعل الناس يقولون: ما الذي تفعل بنفسك؟ فقال: اسكتوا فقد رأيت ما لم تروه، وتشيّع ورجع عمّا كان عليه، ووقف الكثير من ضياعه، وتولّى أبو عليّ بن جحدر غسل القاسم وأبو حامد يصبّ عليه الماء، وكفِّن في ثمانية أثواب على بدنه قميص مولاه أبي الحسن وما يليه السبعة الأثواب التي جاءته من العراق، فلمّا كان بعد مدّة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا عليه السلام في آخره دعاء: ألهَمَك اللَّه طاعته، وجَنَّبَكَ معصيته، وهو الدعاء الذي كان دَعا به أبوه، وكان آخره: قد جعلنا أباك إماماً لك وفِعاله لك مثالًا. (انتهى).