توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣١١ - الفصل الخامس الأخبار المتضمّنة لمن رآه عليه السلام
شاهدت السباع والهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم.
فلمّا قدمنا المدينة وأرسى الركب فيها، وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناً، كثيرة الخلق، وسيعة الربقة، وفيها الأسواق الكثيرة، والمعاش العظيم، وترد إليها الخلق من البرّ والبحر، وأهلها على أحسن قاعدة، لا يكون على وجه الأرض من الأُمم والأديان مثلهم وأمانتهم، حتّى أنّ المتعيّش بسوق يردّه إليه من ابتاع منه حاجة إمّا بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها ثمّ يقول: أيّاً هذا زِنْ لنفسك واذرَع لنفسك.
فهذه صورة مبايعاتهم، ولا يسمَع بينهم لغو المقال، ولا السَفَه ولا النميمة، ولا يسبّ بعضهم بعضاً، وإذا نادى المؤذِّن الأذان، لا يتخلَّف منهم متخلّف ذكراً كان أو أُنثى، إلّاويسعى إلى الصلاة، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض، رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت الصلاة الأُخرى فيكون الحال كما كانت.
فلمّا وصلنا المدينة، وأرسينا بمشرعتها، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان، فحضرنا داره، ودخلنا إليه إلى بستان صوّر في وسطه قبّة من قصب، والسلطان في تلك القبّة، وعنده جماعة وفي باب القبّة ساقية تجري.
فوافينا القبّة، وقد أقام المؤذّن الصلاة، فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس، وأُقيمت الصلاة، فصلّى بهم جماعة، فلا واللَّه لم تنظر عيني أخضع منه للّه، ولا ألين جانباً لرعيّته، فصلّى مَن صلّى مأموماً.
فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا، وقال: هؤلاء القادمون؟ قلنا: نعم، وكانت تحيّة الناس له أو مخاطبتهم له: «يا ابن صاحب الأمر» فقال: على خير مقدم.