توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ١٦١ - الفصل الأوّل توقيعات الناحية المقدّسة
قال: نعى الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً، وقد حمل إليه سبعة أثواب، فقال القاسم: في سلامةٍ من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك، فضحك رحمه الله فقال: ما أُؤمّل بعد هذا العمر.
فقال الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة أُزُر وحبرة يمانيّة حمراء وعمامة وثوبين ومنديلًا فأخذه القاسم، وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبوالحسن عليه السلام، وكان له صديق يقال له عبدالرحمن بن محمّد البدري، وكان شديد النصب، وكان بينه وبين القاسم- نضّر اللَّه وجهه- مودّة في أُمور الدنيا شديدة، وكان القاسم يودّه، وقد كان عبدالرحمن وافى إلى الدار لإصلاح بين أبي جعفر بن حمدون الهمداني وبين ختنه ابن القاسم.
فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه أحدهما يقال له أبو حامد ابن عمران المفلس والآخر أبو عليّ بن جحدر: أن اقرئا هذا الكتاب على عبدالرحمن ابن محمّد فإنّي أُحبّ هدايته وأرجو يهديه اللَّه بقراءة هذا الكتاب، فقالا له: اللَّه اللَّه اللَّه فإنّ هذا الكتاب لايحتمل مافيه خلقٌ من الشيعة فكيف عبدالرحمن بن محمّد؟
فقال: أنا أعلم أنّي مُفْشٍ لسرٍّ لا يجوز لي إعلانه لكن من محبّتي لعبدالرحمن ابن محمّد وشهوتي أن يهديه اللَّه عزّ وجلّ لهذا الأمر هو ذا، أقرئه الكتاب، فلمّا مرّ ذلك اليوم- وكان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب- دخل عبدالرحمن ابن محمّد وسلّم عليه، فأخرج القاسم الكتاب فقال له: اقرأ هذا الكتاب وانظر لنفسك، فقرأ عبدالرحمن الكتاب فلمّا بلغ إلى موضع النعي رمى الكتاب من يده وقال للقاسم: يابا محمّد، اتّق اللَّه فإنّك رجلٌ فاضل في دينك متمكّن من عقلك واللَّه عزّ وجلّ يقول: «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ