توقيعات الناحية المقدسة - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣٦٥ - الفصل الخامس الأخبار المتضمّنة لمن رآه عليه السلام
وشكرت اللَّه عزّ وجلّ وشربت الماء وقلت في نفسي: أتوضّأ وضوء الصلاة وأُصلّي لئلّا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمّة بها، فبادرت إليها.
فلمّا فرغت من العشاء الآخرة أظلم الليل وامتلأ البيداء من أصوات السباع وغيرها، وكنتُ أعرفُ من بينها صوت الأسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقّد كأنّها السراج، فزادت وحشتي إلّاأنّي كنتُ مستسلماً للموت، فأدركني النوم لكثرة التعب، وما أفقْتُ إلّاوالأصوات قد انخمدت، والدنيا بنور القمر قد أضاءت، وأنا في غاية الضعف، فرأيت فارساً مُقبِلًا علَيّ، فقلت في نفسي: إنّه يقتلني لأنّه يريد متاعي فلا يجد شيئاً عندي فيغضب لذلك فيقتلني، ولا أقلّ من أن تصيبني منه جُراحة.
فلمّا وصل إليّ سَلَّم عَلَيّ فرددتُ عليه السلام، وطابت منه نفسي، فقال:
مالَك؟ فأومأتُ إليه بضعفي، فقال: عندك ثلاث بطّيخات، لِمَ لا تأكل منها؟
فقلت: لا تستهزءني ودعني على حالي.
فقال لي: انظر إلى ورائك، فنظرت فرأيت شجرة بطّيخ عليها ثلاث بَطّيخات كبار، فقال: سُدّ جوعك بواحدة، وخذ معك اثنتين، وعليك بهذا الصراط المستقيم، فامش عليه، وكُل نصف بطّيخة أوّل النهار، والنصف الآخر عند الزوال، واحفظ بطّيخة فإنّها تنفعك، فإذا غربت الشمس، تصل إلى خيمة سوداء يوصِلك أهلها إلى القافلة، وغاب عن بصري.
فقمتُ إلى تلك البطّيخات، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللطافة كأنّي ما أكلتُ مثلها فأكلتها، وأخذتُ معي الاثنين، ولزمت الطريق، وجعلت أمشي حتّى طلعت الشمس، ومضى من طلوعها مقدار ساعة، فكسرت