كتاب الاجتهاد والتقليد - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٥٨
مستقيما بذلك في الجادة ولا سالكا لها بداع الخوف أو رجاء الثواب. وبعبارة اخرى أن المكلف - وقتئذ - لا يمكن الوثوق باستقامته، لانه قد يستقيم وقد لا يستقيم، مع أن المعتبر في العادل أن يؤثق بدينه، ولا يتحقق ذلك إلا بالاستمرار في الاستقامة، وكذلك الحال فيما إذا استقام بالاضافة إلى بعض المحرمات دون بعض، ولعل ما ذكرناه من اعتبار الاستمرار في فعل الواجبات وترك المحرمات هو الذي اراده القائل بالملكة ولم يرد انها ملكة كسائر الملكات والله العالم بحقيقة الحال. " ثانيهما ": أن الاستقامة مع الاستمرار عليها التي فسرنا بها العدالة المعتبرة في جملة من الموارد لا يضرها ارتكاب المعصية في بعض الاحيان لغلبة الشهوة أو الغضب فيما إذا ندم بعد الارتكاب، لانه حال المعصية وان كان منحرفا عن الجادة، إلا أنه إذا تاب رجع إلى الاستقامة، وقد قال عز من قائل في توصيف المتقين: إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا (* ١) فالشيطان قد يمس العادل، كما يمس غيره. وقد قيل: ان الجواد قد يكبو. إلا أنه إذا تذكر ندم ورجع إلى الاستقامة والعدل والمتحصل أن الاستقامة الدائمية بمعنى عدم صدور الحرام من المكلف منذ بلوغه إلى آخر عمره غير معتبرة في العدالة. كما لا تعتبر فيها الاستقامة الخارقة للعادة، كما إذا فرضنا أن الكذبة الواحدة تترتب عليها جملة كثيرة من المنافع الدنيوية والاخروية، وفرضنا أيضا أن النبي أو الوصي - ع - اخبرنا أن الله لا يعاقب المكلف بتلك الكذبة إذ يشفع له الشفعاء يوم القيامة فانه لا يعتبر ترك مثل ذلك في العدالة لاختصاصه كسابقه بقليل من المكلفين بل لا يتحققان إلا في الاوحدي، ولا يحتمل أن تكون العدالة بهذا المعنى معتبرة في موضوعات الاحكام الشرعية لاستلزامه التعطيل كما مر هذا. (* ١) الاعراف: ٧: ٢٠١