الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٤٧ - تتميم في صحة البيع مع الجهل بفساده
قصد و لا ارادة، بل ربما تعلق القصد و الإرادة بغيره، هل يكون كافيا في الصحة أم لا؟ الظاهر من تتبع النصوص ذلك، سواء كان في العبادات أو المعاملات، و منه ما ذكره من مثال من باع مال غيره فظهر شراء وكيله له، بمعنى أنه ظهر أن بيعه قد صادف الصحة بحسب الواقع، و ان كان بحسب الظاهر غير صحيح، فإنه لا إشكال في صحته، و لهذا الباب في العبادات- التي لا ريب في أن الأمر فيها من المعاملات أشكل و أصعب- أمثلة كثيرة، و ناقش بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاكتفاء بموافقة الواقع اتفاقا إذا لم يكن مقصودا، و قد تقدم الكلام معه في كتاب الصلاة في مسئلة من صلى في غير الوقت جاهلا [١] و لو تم ما توهمه من أن الاتفاق الخارج لا مدخل له في الأحكام الشرعية على الإطلاق كما زعمه، لما أجزى الصوم آخر يوم من شعبان عن شهر رمضان متى ظهر كونه منه بعد ذلك، و يسقط القضاء عمق أفطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية في البلاد المتقاربة أو مطلقا على الخلاف في ذلك، و يوجب الحد على من زنى بامرأة ثم ظهر كونها زوجته، و يصح شراء من اشترى شيئا من يد أحد المسلمين ثم ظهر كونه غصبا، و يوجب القضاء و الكفارة على من أفطر يوما من شهر رمضان في الظاهر ثم ظهر كونه من شوال، و يوجب القود أو الدية على من قتل شخصا عدوانا بحسب الظاهر، ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا، و يوجب العوض علي من غصب مالا و تصرف فيه ثم ظهر كونه له، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، و اللازم أن يكون كلها باطلة اتفاقا، و ليس ذلك إلا من حيث الاكتفاء بمطابقة الواقع و ان لم يكن مقصودا، و ما نحن فيه من قبيل ذلك، و بذلك يظهر لك أن ما أطال به الكلام شيخنا المتقدم ذكره في المسالك بالنسبة إلى القصد في البيع و عدمه، كله تطويل بغير طائل، و الحق في المقام هو ما حققناه.
ثم ما ادعاه في القواعد من الإجماع على صحة البيع لو كانت الهبة فاسدة كما
[١] ج ٦ ص ٢٨٧.