مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣١ - مقدمة المؤلف
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ على أنّ المراد بها الانتظار لا الرؤية [١] و فرضنا أنّه لم ينقل عن المتقدّمين إلّا هذا الوجه دون غيره جار للمتأخّر أن يزيد على هذا التأويل و يذهب إلى أنّ المراد أنّهم ينظرون إلى نعم اللّه لأنّ الغرض في التأويلين جميعا إنّما
[١] هذا مما وقع النزاع فيه بين الإمامية، و أهل السنة فاتفق الإمامية إلا من شذ منهم على أن اللّه تعالى لا يرى في الدنيا و لا في الآخرة، و وافقهم في ذلك المعتزلة أما غيرهم من أهل السنة فقد ذهبوا إلى إمكانها في الدنيا، و وقوعها في الآخرة، و حسبنا العقل السليم الحاكم بامتناع الرؤية مع عدم حصول شرائطها الممتنعة كلها على اللّه، و حسبنا أيضا كلام اللّه العزيز حيث قال عز من قائل «لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ»، و قال «وَ لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» و قال «وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ» و قال مخاطبا لموسى بن عمران «لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي» تدل على استحالة الرؤية بالنسبة إليه سبحانه لانه قد ربطها باستقرار الجبل، و استقراره في حال كونه متزلزلا من المحالات و إلا لزم كونه ساكنا و متحركا في حالة واحدة فهو أشبه بقوله «لٰا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيٰاطِ» و إذا امتنعت رؤيته على أنبيائه كانت بالنسبة إلى غيرهم أولى بالامتناع و قد تواترت أخبار الإمامية في ذلك انظر البحار ج ٢ ط كمپانى من ص ١١٢.
إلى ١٢٢، و في تلك الأخبار لطائف و دقائق إذا تأمل من كان له قلب سليم و سر نقى علم أن تلك الدقائق و المعارف الحقة الإلهية و الإشارات العقلية التي لم تبلغ إليها أفكار أوحدي الناس في تلك الأعصار فضلا عن غيرهم، و لا يدركها الراسخون في العلوم الإلهية إلا بعد تلطيف سر و مدد سماوي إنما فاضت من صدور الذين هم المستضيئون بأنوار الرحمن، و العالمون بالعلوم اللدنية المستفاضة من لدن مبدء العالم عليهم، و المتضلع في أقوال العلماء يذعن بأنه لم يعهد إقامة مثل هذه البراهين المأثورة عن آل محمد من غيرهم، و الاخبار في هذه المسئلة كثيرة و نكتفي للتبرك بذكر خبر رواه في الاحتجاج ج ٢ ص ١٨٤ ط النجف، و التوحيد للصدوق ص ٩٨ ط إيران و الكافي الخبر الثاني من باب إبطال الرؤية، و هو في ص ٦٨ ج ١ مرآت العقول، و وصفه العلامة المجلسي بالصحة، و حيث إن ألفاظ الخبر مختلفة ننقله بلفظ الكافي أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على أبى الحسن الرضا. فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الاحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرة: إنا روينا أن اللّه قسم الرؤية و الكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى و لمحمد الرؤية. فقال أبو الحسن: فمن المبلغ عن اللّه إلى الثقلين من الجن و الانس لا تدركه الابصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شيء أ ليس محمد؟ قال: بلى قال: كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند اللّه و أنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه فيقول: لا تدركه الابصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شيء.
ثم يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علما، و هو على صورة البشر أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه (عليه السلام) بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر ثم قال أبو قرة: فإنه يقول، و لقد رآه نزلة اخرى فقال أبو الحسن (عليه السلام):
إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال «مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ» ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأى فقال: لقد رأى مر آيات ربه الكبرى فآيات اللّه غير اللّه، و قد قال اللّه «وَ لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به العلم و وقعت المعرفة فقال:
أبو قرة فتكذب بالروايات. فقال أبو الحسن: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، و ما أجمع المسلمون عليه إنه لا يحاط به علما و لا تدركه الابصار و ليس كمثله شيء، و في آخر الحديث في الاحتجاج فتحير أبو قرة فلم يحر جوابا حتى قام و خرج.
و القائلون بالرؤية طائفتان: الاولى: المجسمة و الكرامية الذين يقولون بأن ربهم جسم الثانية: أتباع الأشعري، و من كان قبله ممن هو بمنزلتهم فهما و تعقلا. قال بعض: إن رؤية اللّه جائزة في الدنيا عقلا، و اختلف في وقوعها، و في أنه هل رآه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة الإسراء أولا؟ فأنكرته عائشة انظر البخاري بشرح ابن حجر (فتح الباري) ص ٢٢٩ ج ١٠ الطبعة الأخيرة، و عليه جماعة من الصحابة و التابعين و المتكلمين، و نسب إثباته إلى ابن عباس لكنها افتراء محض لا يحتمل من مثله مثل هذه المقالة الزائفة فان صح ما نقل عنه فمأول بالعلم به فقد أخرج مسلم عنه رأى ربه بفؤاده مرتين و من طريق عطاء أنه رآه بقلبه و روى ابن مردويه عنه أنه لم يره رسول اللّه بعينه إنما رآه بقلبه انظر ص ٢٣١ ج ١ فتح الباري، و المراد برؤية القلب الانكشاف التام بالبصيرة القلبية لا ما ذكره ابن حجر هنا من أن المراد حصلت في قلبه كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، و الرؤية لا يشترط فيها شيء مخصوص و لو جرت العادة يخلقها في العين فان ما ذكره ربما يضحك به الثكلى، و أخذ بهذه المقالة (جواز الرؤية عقلا في الدنيا) جماعة من السلف و الأشعري في جماعة من أصحابه و ابن حنبل، و كان الحسن على ما نقل عنه يقسم لقد رآه و توقف فيه جماعة هذا حال رؤيته في الدنيا، و أما رؤيته في الآخرة فعند غير المعتزلة من أهل السنة جائزة عقلا واقعة في الآخرة للمؤمنين خاصة أو للكل انظر مقالات الاسلاميين للأشعري ج ١ ص ٢٦٣، و فيه و اختلفوا في رؤية الباري على تسع عشرة مقالة، و شرح المواقف ط بولاق من ص ٥٠٢، إلى ٥١٤ و شرح التجريد للقوشجى ط إيران سنة ١٣٠١ من ص ٣٦٣. إلى ص ٣٧٢.