مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٣٨ - (النوع الثامن) (في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة)
تعالى أمر بالإخلاص في العبادة للّه الموصوف بكونه خالق العالمين على العموم، و ظاهره استقلاله في الخلق و عدم مدخليّة الغير في شيء منه فاعتقاد خلافه ينافي ذلك.
فتأمّل فيه.
الثالثة:
إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ [١].
«إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» الوليّ قد يجيء لمعان متعدّدة، و الظاهر منها هنا هو المتولّي للأمور كلّها، و الأولى بالمؤمنين من أنفسهم، و إنّما قلنا:
إنّ الظاهر هذا دون غيره نظرا إلى أنّ الحصر في المذكورين [٢] يفيد كون الوليّ بالنسبة
[١] المائدة ٥٥.
[٢] الحصر مستفاد من كلمة إنما، و قد صرح بدلالتها على الحصر فطاحل الأدب و مهرة الفن انظر التلخيص و شروحه الباب الخامس في طرق القصر و كتب الأدب و اللغة و النحو لا نطيل الكلام بسردها، و كفاك استفادة مثل ابن عباس حبر الأمة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله):
إنما الربا في النسيئة (الرقم ٢٥٥٣ من الجامع الصغير) قصر الربا في ربا النسيئة انظر فيض القدير ج ٢ ص ٥٦٠.
و للإمام الرازي هنا تعصب مكشوف فأنكر كون إنما للحصر انظر ص ٣٠ ج ١٢ الطبعة الأخيرة مع اعترافه بدلالتها في تفسير قوله تعالى «قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» و تفسير «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» على الحصر، و استدل بقوله تعالى «إِنَّمٰا مَثَلُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ» و لا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى و أنت خبير بأن المراد بالاية ليس حصر تنظير الحيوة بنفسها بالماء بل حصر المثل المضاف إلى الحيوة الدنيا في الماء المنزل من السماء بمعنى أن كل ما يقدر مثلا لتلك الحيوة فهو لا محالة شبيه بالماء الموصوف بكذا في سرعة الفناء و الزوال فالحصر فيها حاصر، و استدل أيضا بقوله تعالى «إِنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ».
و الجواب عنه أولا بالنقض بقوله- عز من قائل- «وَ مَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا إِلّٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ» و هل ينكر دلالة النفي و الإثبات على الحصر فإن أنكره فكيف يثبت الإقرار بالتوحيد من كلمة لا إله إلا اللّه؟ و ثانيا أن مفاد الآية حصر الحيوة الموصوفة بالدنيا و هي الحيوة المصروفة في الشهوات و رذائل الصفات في المشابهة باللهو و اللعب اللذين لا يفيدان شيئا لمن اشتغل بهما، و لذلك جعل الدنيا في العبارة صفة للحيوة حتى لا يستظهر منها مطلق الحيوة الواقعة في الدنيا و عليه فالحصر حاصر صحيح لا وقع لاعتراض الإمام الرازي.
سلمنا و أعرضنا عن ذلك لكن نقول: عدم إفادة إنما للحصر في الآيتين إنما هو لقيام قرينة صارفة عن ظاهرها و ليس له إنكار ظهورها في الحصر في سائر استعمالاتها الخالية عن القرينة مع تصريح مهرة اللغة و النحاة و فصحاء الفريقين بكونها موصوفة للحصر.
و لتوضيح المقصود نرشدك إلى جملتين متداولتين في كلمات الأصوليين: إحداهما: أن الأصل في الاستعمال الحقيقة، و ثانيتهما: أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز، و مورد الاولى هو الشك في المراد و مرجعه إلى أصالة الظهور و إلغاء احتمال إرادة خلاف الظاهر، و عليه بناء العقلاء في محاوراتهم، و من المعلوم أن الشارع لم يخترع طريقة جديدة، و مورد الثانية هو الشك في كيفية الإرادة و لم يتقرر بناء من العرف و العقلاء بعد العلم بالمراد أن المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي فعندئذ نقول: بعد ثبوت كون إنما للحصر كلما شك في استعمالها في غير الحصر فنقول المراد هو الحصر لأن الأصل بمعنى بناء العقلاء هو الحقيقة، و كلما علمنا من الخارج كما في الآيتين بنظر الإمام الرازي و فرضه عدم الحصر فنقول: قصارى ما يستدل به أنه استعمل في غير الحصر و لا دلالة للاستعمال على كونه حقيقة.