مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٧٦ - (النوع الرابع) (في مقدمات أخر للصلاة)
لأنّهم كانوا في أيّام حجّهم لا يأكلون الطعام إلّا قوتا، و لا يأكلون دسما يعظّمون بذلك حجّهم فقال المسلمون: نحن أحقّ بذلك فقيل لهم: كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا.
«وَ لٰا تُسْرِفُوا» أي لا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام و لا تسرفوا في المآكل فتأكلوا ما لا يليق بحالكم كمن يطبخ الطعام في القدر و يطرح فيه المسك أو كمن لا يملك إلّا دينارا فيصرفه في أكل ما لا يليق بحاله أو في الملبس و المشرب فيلبس ثياب التجمّل وقت النوم و الخدمة، و يؤيّده ما روي عن ابن عبّاس [١] كل ما شئت و البس ما شئت ما خطأتك خصلتان: سرف و مخيلة أو لا تسرفوا في الأكل نفسه بحيث يؤدّي إلى الأمراض المهلكة و يؤيّده ما قيل: إنّ اللّه تعالى قد جمع الطبّ في نصف آية من كتابه، و هي «كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا» و ورد به بعض الأخبار [٢].
«إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» لا يرضى فعلهم، و فيه دلالة على تحريم الإسراف في الأكل و غيره لكنّه كالمجمل، و سيجيء بيانه، و يمكن أن يقال: إنّه مقيّد بالمحرّم منهما على ما علم من خارج. ثمّ إنّه تعالى أكّد اباحة التزين و أكل المباح و شربه بقوله:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ» أي من الثياب و كلّما يتجمّل به فإنّ الزينة بإطلاقها متناول جميع أنواعها من الملابس و المراكب و الحليّ و كذا كلّما يستطاب و يستلذّ من المآكل و المشارب.
«الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ» خلقها لهم و أخرجها من النبات كالقطن و الكتّان و من الحيوان كالصوف و السقلاط.
«وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ» و المستلذّات من المآكل و المشارب ما لا يعدّ خبيثا ينفر منه الطبع و يقبح العقل أكله، و الاستفهام للإنكار: أي لا وجه لتحريمها، و فيها دليل على أنّ الأصل في المطاعم و الملابس، و أنواع التجمّلات و اباحة و غيرها يحتاج
[١] رواه بهذا اللفظ في الكشاف ج ١ ص ٥٤٦ و رواه في الدر المنثور ج ٣ ص ٧٩ مع تفاوت يسير في اللفظ.
[٢] انظر المجمع ج ٣ ص ٤١٣.