غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٥ - المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش
بالنظر الى وجه الفساد من ان ما وقع عليه العقد هو المشوب و ما هو المقصود بالبيع انّما هو اللبن الخالص هذا و تردد المحقق الثاني (رحمه الله) كما دلّ عليه عبارته الّتي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) حجة القول الأوّل أمران الأول إطلاقات الكتاب و السنة مثل قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم الثاني ان الاخبار الناهية عن الغش مع كثرتها بل تواترها خالية عن الإشارة إلى فساد المعاملة و قد كان هذا محلّ التعرض له لو كان فسكوتهم (عليه السلام) عنه يدلّ (حينئذ) على عدمه ثمّ ان ما يحتمل ان يكون حجة للقول الثاني وجوه تعرض (المصنف) (رحمه الله) لثلثة منها أحدها ما حكى عن المحقق الثاني من ان المقصود بالبيع انما هو غير المغشوش و ما وقع عليه العقد انما هو المغشوش فما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع و ثانيها النّهى عن البيع المتعلق بالمغشوش و ثالثها ان نفس البيع غش منهي عنه فيفسد لكونه منهيّا عنه في نفسه و ذلك انّه وقع النهى عن الغش و قد اتحد معه البيع كما ينبئ عنه قوله (عليه السلام) اما علمت ان البيع في الظّلال عس و رابعها ما أشار إليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من ان الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله على انه غير مغشوش و لا افهم من هذا الكلام الا معنى الإرشاد إلى فساد البيع خامسها ما ذكره المحقق المذكور (رحمه الله) في مسئلة بيع الدهن المتنجس فإنه بعد ان حكى عن (المسالك) ما لفظه لو باعه من دون الاعلام قيل يصح البيع و فعل حراما و تخير المشترى لو علم و يشكل الجواز بناء على تعليله بالاستصباح في الرواية فإن مقتضاه الاعلام بالحال و البيع لتلك الغاية قال و فيما نقله و ذكره تأمل ظاهر نعم يمكن ان يقال البيع الصّحيح المتملك الذي علم كونه مملكا صحيحا هو المجوز شرعا بقوله (تعالى) وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و البيع لتلك حلال و ما علم كون غيره مملكا و صحيحا و هذا لا خصوصيّة له بهذا المحل بل هو اشكال يخطر بالبال في عدم الفساد بالنهي في المعاملات و قد أشرنا إليه فيما سبق في بيع يوم الجمعة و حققناه في الأصول فتأمل انتهى و على هذا فيكون بيع المغشوش لكونه حراما ممّا لا يشمله قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ فلا يترتب عليه الأثر و سادسها ان نفى الصّلاحية في جملة من اخبار الباب بقوله (عليه السلام) لا يصلح إشارة الى عدم ترتب الأثر أي لا يصلح لإفادة ما قصد بالبيع من الأثر و ترتبه عليه و سابعها قوله (عليه السلام) في رواية موسى بن بكر ألقه في البالوعة حتّى لا يباع شيء فيه غش بعد ان قطع الدرهم نصفين فإن الأمر بإلقائه في البالوعة لغاية انتفاء بيعه يدلّ على كون بيعه أكلا للمال بالباطل غير مفيد للنقل و الانتقال و لا يخفى سقوط الجميع امّا الأوّل فلان القصد قد تعلق بعين المبيع من الطرفين غاية ما في الباب ان المشترى قد كان مركوزا في نظره انّه متصف بالوصف الفلاني فلم يتفق الا تخلفه فيوجب الخيار لا إفساد أصل البيع لعدم تخلف العين و الجنس قال في المستند و لا يضر ظن المشترى اتصافه بخلاف ما هو كذلك فلا يقصد ذلك لان ثبوت خيار الرّؤية بالاخبار و الإجماع يدلّ على عدم اعتبار ذلك في الصّحة و امّا الثاني فلان النّهى عن بيع المغشوش على تقدير تسليم وجوده انما يرجع الى الغش الذي هو أمر خارج عن البيع و امّا الثالث فلان من الظاهر ان الغش عنوان و البيع عنوان أخر و اتحاده مع الغش مع تعلق النهى بالغش لا يجعله الّا منهيّا عنه لوصفه و المعاملة المنهي عنها لوصفها لا تتصف بالفساد و رواية هشام بن الحكم لا تفيد أزيد من ذلك حيث قال فيها اما علمت انّ البيع في الظلال غش خصوصا مع حكمه على الغش بأنه لا يحل لا بالفساد فالحاصل ان النهى عن البيع لكونه مصداقا لمحرم هو الغش لا يوجب فساده كما تقدم في بيع العنب على من يعمله خمرا و امّا النهي عن بيع المغشوش في نفسه فلم يوجد في خبر و امّا الرابع فلان الأدلة قد وردت في مقام النّهى عن الغش و هو عنوان مغاير للبيع و ان اتحد معه في ضمن بعض الافراد و ليس فيها ما هو متعلق بالبيع إلا رواية موسى بن بكر و ستعرف الكلام فيها و رواية هشام بن الحكم و ليس فيها الا ان البيع في الظلال غش و الغش لا يحلّ و
لا يبيح الا ان البيع في الظلال لا يحلّ و اين هو من الإرشاد و لو سلم تعلق النهي في الاخبار بالبيع فصرفه عن معناه الحقيقي الذي هو التحريم إلى المجازي الذي هو الإرشاد يحتاج الى دليل و ليس فليس و امّا الخامس فلان قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ انّما سيق لبيان حلّ طبيعة البيع من حيث هي مع قطع النظر عن العوارض و ليس مؤداه ان البيع المحلل مؤثر للنقل و غيره غير مؤثر له و مقصوده انّما يتم على هذا التقدير فيبقى عروض النهى عنه لوصف خارج و قد عرفت الجواب عنه و امّا السّادس فلان لفظ لا يصلح غير صالح لإفادة نفى ترتب الأثر و استعماله فيه غير معهود و القرينة على ارادة ذلك المعنى منتفية بل لا ينساق منه الا الحكم التكليفي الذي هو الكراهة أو التحريم و امّا السّابع فلانه ليس فيه الا الأمر بإلقاء الدرهم المغشوش في البالوعة و الدلالة على جعل ذلك مقدمة لعدم وقوع بيع المغشوش في الخارج و هذا القدر كما يمكن ان يكون من جهة فساد البيع كذلك يمكن ان يكون لحرمته فيكون فعله ذلك لكونه نوع منع من وقوع الحرام و بابا من أبواب النهي عن المنكر و ان لم يكن واجبا معينا بالخصوص و لا دلالة للعام على الخاص اعنى الفساد
قوله و ما ذكره من وجهي الصّحة و الفساد جار في مطلق العيب لان المقصود هو الصّحيح و الجاري عليه العقد هو المعيب
فيلزم البطلان في بيع المعيب (مطلقا) لان ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد و هو خلاف ما صرّحوا به من صحة البيع و ثبوت الخيار لكن الوجه في صحة البيع مع تخلف وصف الصحة هو كون وصف الصّحة في معنى الشرط و ليس مقوما للمبيع فعند تبين الخلاف يثبت الخيار و الأمر في مسئلة بيع المغشوش (أيضا) على هذا المنوال لان الكلام انما هو فيما إذا لم يتبدّل حقيقة بحقيقة أخرى
قوله كما يشهد به العرف و الشرع
امّا العرف فواضح لأن أهل التعارف لا يرون الفردين من صنف المتخالفين في وصفي الصّحة و الفساد من قبيل المتباينين بحسب الحقيقة و انما يعدونهما من قبيل المتخالفين في الأوصاف و الخصوصيات الشخصيّة و امّا الشرع فلما نجده من حكمه بعدم فساد بيع ما ظهر معيوبا بعيب سابق مع ما نجده من حكمه بفساد البيع فيما لو باع فردا من حقيقة على انّه فرد من حقيقة أخرى و من ذلك يظهر ان ما نحن فيه ليس من قبيل ما تعارض فيه الوصف و الإشارة فإنه مبنى على ارادة الصّحيح من عنوان المبيع حتى يكون مغايرا له في العنوان فيكونا من قبيل الفردين من مهيتين كما في مثال الحمار و الفرس
قوله و اما وجه تشبيه مسئلة الاقتداء في الذكرى بتعارض الإشارة و الوصف في الكلام مع عدم الإجمال في النية فباعتبار عروض الاشتباه للنارى بعد ذلك فيما نواه
(انتهى) الذي حداه الى حمل كلام الشّهيد (رحمه الله) على صورة عروض الاشتباه في النية بعد انقضاء أصل العمل هو ان مسئلة الاقتداء بإمام و تبين غيره إذا فرضت فيما لو كان الإمامان كلاهما ممن له أهلية الايتمام به عند المأموم كما هو مفروض كلام الشهيد (رحمه الله) كان لها صور اربع ليس شيء منها صالحا للتردد فيه و ذلك لان حضور الامام ممّا لا بد منه الا انه قد يجعل بنفسه عنوانا مقصودا سواء كان بالالتفات اليه تفصيلا أو بكونه مركوزا في ضميره و قد يجعل العنوان المقصود هو الاسم و قد لا يكون أحدهما بخصوصه هو الداعي المستقل دون الأخر و هذا يتصور على صورتين إحديهما ان يكون الداعي مركبا منهما و الأخرى ان يكون كل منهما مستقلا فالصّورة الاولى ان يكون المقصود الأصلي هو التعريف بالإشارة و يكون التعرض للعنوان بالتبع من دون ان يكون له مدخل في التعريف