غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٤ - النوع الثالث ممّا يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء
شاطئ النهر و التراب في الصحراء و صرّح العلامة (رحمه الله) بجواز بيع هذا النوع قال في التذكرة و كذا يجوز بيع عام الوجود كالماء و التراب و الحجارة انتهى و قال في الفصل الرابع من كتاب البيع يصحّ بيع الماء المملوك لانه طاهر ينتفع به لكن يكره و هل يجوز بيعه على طرف النهر أو بيع التراب أو الحجارة حيث يعم وجودها للشافعي وجهان الجواز و به نقول لظهور منفعته و المنع لانه سفه و كذا يجوز بيع كل ما يعم وجوده و هو مملوك ينتفع به انتهى و ما ذكره من جواز بيع الماء على شاطئ النهر صحيح لو لم يؤد الى السفه كما لو لم يكن هو بنفسه قادرا على الاغتراف أو كان أطراف النهر ممّا لا يمكن الورود و الصدور منها أو مما لا يمكن شرب مائها لفساده بالامتزاج بالطين و القاذورات و كان لا يمكنه الوصول الى عباب الماء لعجزه عن ذلك و بالجملة البيع صحيح ما لم يستلزم السفه و الباطل فإنه (حينئذ) باطل و اما ما ذكره من كراهة بيع الماء فلم نقف له على دليل و اعلم ان بيع الماء بحسب القسمة الأولية على قسمين أحدهما ان يباع بتبعية الأرض كما لو بيع مجرى العيون و في الحقيقة لا يقع البيع هنا على الماء بل على المجرى و الماء من نتائج الأرض المملوكة و ثمراتها ثانيهما ان يباع نفس الماء و هذا على أقسام أحدها ان يباع الماء الجاري لسقي الزرع و نحوه و هذا من المتعارف في بلاد العجم و غيرها حيث يبيعون المياه الجارية من العيون و لا إشكال في جوازه و لكن لا بد من تقديره بما تعارف بينهم من روافع الجهالة كالزمان من مثل الساعة و نحوها أو ما تعارف بينهم من انهم يثقبون كأسا و يضعونها على الماء فإذا انغمس جعل مقدار بقائها مشخصا لحصة و هكذا و ثانيها ان يباع الماء المجتمع في غدير مشاهد العرض و العمق و الطول و هذا ايضا من المتعارف في جملة من البلاد فإنهم يصنعون للعيون الضعيفة غديرا بحيث يمتلئ في الليل و النهار من ذلك الماء مرة فيباع ذلك الماء المحدود بكونه ملاء ذلك الغدير و هذا (أيضا) لا اشكال فيه ثالثها ان يباع الماء الجاري من العيون و نحوها ليملأ به الحياض و نحوها مما تعارف في كثير من بلاد العجم لإحراز الماء و جمعه فيه ليشرب و يستعمل مدة فيشتريه المشترى ليملأها به و هذا (أيضا) لا بد من تقديره اما بالزمان أو بمشاهدة الحوض و مساحته ان كانت متعارفة لئلا يصير تقديرا بالكيل الغير المتعارف رابعها ان يباع الماء بالقرب و الكوز و نحوها كما هو متعارف الشهيدين الشريفين امّا الكوز (فالظاهر) انه لا إشكال في بيع الماء بها إذا كانت تصنع على مقدار حاص يعدّ كيلا متعارفا و الا ففيه إشكال لأنه يعتبر في بيع المكيل ان يكال بمكيال معروف مضبوط تتساوى افراده و الماء من قبيل المكيل و اما القرب فاختلافها واضح و لهذا تريهم يفرقون بينها بحسب القيمة في مقام البيع فلا يصحّ ان يكون القرب من قبيل المكيال كما لا يصحّ ان يصير السقاء من قبيل المكيال للبن المخيض الذي تجلبه نساء أهل البوادي إلى البلاد في عراق العرب فتبيعه و هو في السقاء من دون كيل و لا وزن مع انه من قبيل المكيل و هذا النوع من بيع الماء قد استشكل فيه بعض من تأخر خصوصا فيما تعارف من المعاملة على مائة حمل مثلا بمبلغ على ان يوفى كل يوم حملا مثلا الا ان يقال بكون المعاطاة إباحة العوض (فحينئذ) يصحّ في غير صورة المعاملة على مائة حمل مثلا يوفيها على التدريج لعدم تحقق المعاطاة (حينئذ) و ذلك لانه لا يشترط في الإباحة تقدير كل من المكيل و الموزون بما هو المتعارف في تقديره و انما الإشكال على تقدير كونها بيعا فيشترط الكيل أو الوزن في المبيع إذا كان شيء منهما معتادا فيه و لعلنا نستكشف بذلك و أمثاله عن كونها اباحة و الا لم يكن العلماء الاعلام و الأخيار يقدمون على شرائه بذلك الوجه و عندي ان نقل الماء في القرب ليس باعتبار جعلها مكاييل يكال بها بل باعتبار كون الماء يحتاج الى ظرف و مناط البيع عندهم هو المشاهدة و لذلك لا يكتفى المشتري بمجرد اخبار البائع أنها قرية أو قربتان الا ان يرى القربة فيبذل بمقتضى نظره ثمنا في مقابل الماء الذي تشتمل عليه و مثله بيع الحطب بحمله فإنه ليس الا من باب المشاهدة و قد رأيت بعد تحرير المقام عبارة مفتاح الكرامة فأحببت ذكرها قال
(رحمه الله) و تنقيح البحث في الماء انه ان كان يجرى من نهر جاز بيعه على الدوام و كذلك ماء العين التي تنبع على الدوام و لا فرق فيه (حينئذ) بين كونه منفردا أو تابعا للأرض و امّا إذا لم ينبع على الدوام فالأشهر كما في الكفاية منعه لكونه مجهولا و كونه يزيد شيئا فشيئا فليلحظ المبيع بغيره و اما إذا كان راكدا ففي حواشي الشهيد (رحمه الله) انه يباع جزافا لأنهم أجمعوا على انه لا يثبت فيه الربا لانه غير مكيل و لا موزون و العلم بما ظهر منه و تسليمه كاف في العلم و التسليم لكنهم قالوا لا يباع سلفا الا وزنا ثم قال (رحمه الله) و اما التراب فان كان أرمنيا فإن جرت العادة بوزنه كما هو الظاهر فلا بد من الوزن و (كذلك) الحال في المغرة و تراب الرؤس فان اختلفت أحوال البلدان فلكل بلد حكمه كما هو (المشهور) و ما سوى ذلك من التراب يكفى فيه المشاهدة و (كذلك) الحال في الحطب و لا عبرة ببيعها وزنا في بعض البلدان لان الوزن غير شرط في صحته هذا كلامه (رحمه الله) الثالثة ان لبن الذكر و الخنثى لو اتفق لم يجز بيعه لانه مما لا ينتفع به كسائر فضلاته فيندرج في العنوان الذي وقع الإجماع على عدم جواز التكسب به و قد نص على الحكم بعدم الجواز بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى و يمكن الاستدلال عليه مضافا الى ما أشرنا إليه من اندراجه في العنوان المجمع عليه ما دل على تحريم الخبائث لأن ذلك مما تستكرهه النفس كسائر فضلاته من عرقه و غيره و اما لبن الأنثى ففي (المبسوط) جواز بيعه قال (رحمه الله) بيع لبن الآدميات جائز و (كذلك) بيع لبن الأتن جائز لأن لحمه حلال انتهى و في الفصل الرابع من بيع التذكرة يجوز بيع لبن الآدميات عندنا و به قال الشافعي لأنه طاهر ينتفع به كلبن الشاة و يجوز أخذ العوض عليه في إجارة الظئر انتهى و في القواعد و في جواز بيع لبن الآدميات نظر أقربه الجواز انتهى و في جامع المقاصد ما قربه أقرب لأنه عين طاهرة ينتفع بها نفعا محللا مقصودا انتهى و حكى الجواز عن (الخلاف) و الإيضاح و الدروس و غيرها و استندوا في ذلك الى العمومات بعد طهارته و الانتفاع به نفعا مقصودا للعقلاء كما هو واضح و لكن في فصل أنواع المكاسب من التذكرة ما لفظه و الأقرب المنع من بيع البن الآدميات انتهى و عن التحرير انه تردد في بيعه و لا وجه لذلك الا انه من فضلات الإنسان كالعرق و البصاق و نحوه و ضعف هذا الوجه ظاهر و التحقيق انه لا إشكال في جواز البيع في الجملة لكن ان بيع محلوبا لزم تقديره بالكيل أو الوزن لكونه من جنس ما يكال أو يوزن لان ذلك هو المعتاد في الألبان كلها و لم يثبت فيه بخصوصه معتاد على خلاف سائر الأصناف و اما إذا كان في الثدي فالمعاملة عليه يقع على وجهين أحدهما ان يوقع عليه عقد البيع و الاشكال في فساده لجهالته كما لا إشكال في فساد البيع لو باع قبل الحلب شيئا من ألبان سائر الحيوانات التي يعتاد بيع ألبانها و ثانيهما ان تستأجر صاحبة اللبن للإرضاع و هذا لا إشكال في جوازه قال بعض من تأخر يستكشف بهذا عن ان اللبن من قبيل المنافع دون الأعيان و لهذا صحّ الاستيجار لاستيفائه و من هنا ينطبق صحة استيجار اليهودية للإرضاع على القاعدة نظرا الى ان الاستيجار انما هو للعمل و اللبن تابع من قبيل المنافع قلت الذي يسهل الخطب هو ثبوت الاستيجار للإرضاع في الشرع بالنصوص و لا خلاف فيه في الجملة و ان لم ينطبق على القاعدة و انما الكلام في بيع اللبن و هو الذي اختلف فيه كلام العلامة بل الكلام فيه مختص بما إذا كان محلوبا لانه قال في ذيل العبارة المحكية الدالة على حكمه بالجواز ما لفظه و قال أبو حنيفة و مالك لا يجوز و عن احمد روايتان كالمذهبين و هو وجه الشافعية لأنه مائع خارج من أدمى