غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٥ - النوع الثالث ممّا يحرم الاكتساب به ما لا منفعة فيه محللة معتدا بها عند العقلاء
فأشبه العرق و لانه من أدمى فأشبه سائر اجزائه و الفرق عدم نفع العرق و لهذا لا يباع عرق الشاة و يباع لبنها و سائر أجزاء الأدمي يجوز بيعها كالعبد و الأمة و انما حرم في الحر لانتفاء المالك و حرم بيع المقطوع من العبد لعدم المنفعة انتهى الرابعة انه قال في التذكرة في ذيل مسئلة بيع ما لا ينتفع به و لو باعه دارا لا طريق لها مع علم المشترى جاز و مع جهله يتخير انتهى و في القواعد و لو باعه دارا لا طريق إليها و لا مجاز جاز مع علم المشترى و الا تخير انتهى قال في جامع المقاصد قيل لا دخل لهذه المسئلة هنا قلنا بل علاقتها توهم كون هذه الدار مما لا ينتفع به فأراد دفع هذا الوهم لأنها في حد ذاتها ينتفع بها و ان تعذر أو تعسّر النفع باعتبار أمر عارضي و هو فقد المسلك مع إمكان تحصيله من الجيران بنحو عارية و استيجار و أراد (المصنف) (رحمه الله) بقوله جاز اللزوم بقرينة قوله و الّا تخير انتهى و قال بعض المعاصرين بعد حصر مراد الأصحاب بعنوانهم في هذا المقام فيما كان لا ينتفع به لخسّته انه لا يندرج فيه ما لا ينتفع به لعارض كالدار و الحمام و البستان و نحوها إذا لم يكن للمشتري طريق يوصله اليه فلا بأس بالمعاوضة عليه (مطلقا) خصوصا مع توقع حصوله و لو بالاذن من الجار و نحوه و القول بعدم جوازه مع الياس منه لأنها من المعاملة السفهية محل نظر لإمكان وقفه أو هبته للجار أو نحو ذلك من الفوائد التي لا تتوقف على الطريق كما هو واضح نعم لو فرض تعذر الانتفاع به بجميع الفوائد المعتبرة عادة كان منها على الظاهر و لعله المراد فلاحظ و تأمل انتهى و سبقه الى ذلك كله صاحب الجواهر (رحمه الله) و هو وجيه
قوله و لو فرض الشك في صدق المال على مثل هذه الأشياء المستلزم للشك في صدق البيع أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها عمومات التجارة و الصّلح و العقود و الهبة المعوضة و غيرها
تحقيق في مدرك المسئلة و يحتمل ان يكون تعريضا لصاحب الجواهر (رحمه الله) و جماعة حيث تمسكوا بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ في هذا المقام و أمثاله و وجه استلزم الشك في صدق المال الشكّ في صدق البيع هو ما سيجيء (إن شاء الله) (تعالى) في تعريف البيع من كونه عبارة عن مبادلة مال بمال و مراده بالمعاوضة التي حكم بإمكان صحتها هي المعاوضة على غير وجه البيع من سائر وجوه المعاوضات و الاستدلال بعمومات التجارة انما هو لإيقاعها في ضمن غير البيع من أنواعها و الا فمع عدم تحقق النوع الّذي هو البيع فيما نحن فيه من جهة عدم صحته بسبب انتفاء شرط من شروطه لا يتأتى من الدليل الوارد في صحة الجنس الذي هو التجارة تصحيح ذلك النوع الفاسد بانتفاء شرطه و هو واضح
قوله بناء على ان للشحوم منفعة نادرة محلّلة على اليهود لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها و سائر منافعها المتعارفة
قد تقدّم منه (رحمه الله) في المسئلة الاولى من الكتاب انّ الظاهر ان الشحوم كانت محرمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات و كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا فما هنا من استظهار تحريم أكل الشحوم أو تحريم سائر منافعها المتعارفة عليهم مناف لما أسلف هناك الّا ان يوجه بان التعليل بقوله لان ظاهر تحريمها تعليل للنبي عليه فان قوله بناء على انّ للشحوم منفعة نادرة معناه انه على تقدير ان يكون للشحوم منفعة و قوله لان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها لو سائر منافعها تعليل لتصحيح ذلك التقدير لا تعليل لما هو الواقع عنده فكأنه قال على تقدير الالتزام بان للشحوم منفعة نادرة نظرا الى ان ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها و (الظاهر) ان هذا هو المراد
قوله الا ان يقال المنع فيها تعبد للنجاسة لا من حيث عدم المنفعة المتعارفة فتأمل
الظاهر ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى منع نجاسة الشحوم في دينهم بل ليس فيه حكم النجاسة بالنسبة إلى غيرها أيضا فهي محكوم عليها عندهم بالحرمة لا غير و قوله تعالى وَ مِنَ الْبَقَرِ وَ الْغَنَمِ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمٰا انما نطق بتحريم الشحوم دون نجاستها
قوله إذ لا يراد منه مجرد المنفعة و الا لعم الأشياء كلها
يعنى انه لا يراد من قوله (عليه السلام) و كلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة (انتهى) ان كل شيء فيه مجرد ما يسمى منها منفعة حلال بيعه بل المراد إثبات الحكم لصاحب المنفعة المتعارفة و الا فلو كان الحكم بحل البيع يدور مدار المطلق المنفعة و لو لم تكن متعارفة يعم الحكم بحل البيع جميع الأشياء إذ لا شيء الا و هو متصف بثبوت منفعة ماله
قوله فالواجب الرجوع في مقام الشك إلى أدلة التجارة و نحوها مما ذكرنا
فيحكم بصحة المعاوضة على المشكوك فيه من جهة ثبوت المالية له و عدمه لكن بشرط إيقاع المعاوضة على غير وجه البيع من وجوه المعاوضات كما عرفت البيان
قوله و منه يظهر ان الأقوى جواز بيع السّباع بناء على وقوع التذكية عليها للانتفاع البين بجلودها و قد نص في الرواية على بعضها
قال في كتاب الصيد و الذباحة من الجواهر السباع من الوحوش و الطيور و هي ما تفترس الحيوان بنابها أو مخلبها للأكل أو كل ما كان ذا مخلاب أو ناب يفترس من الحيوان أو ما يتغذّ باللحم كالأسد و النمر و الفهد و الثعلب و نحوها في وقوع الذكاة عليها ترد بل و خلاف و ان لم نعرف حكايته لكن في كشف اللثام (المشهور) الوقوع و عدمه قول المفيد و سلّار و ابن حمزة ذكروه في الجنايات و كذا الشيخ في (الخلاف) و على كلّ حال فالوقوع هنا أشبه وفاقا للمشهور بل في غاية المراد لا نعلم مخالفا بل عن بعض دعوى الاتفاق عليه بل عن السّرائر الإجماع عليه لموثّقى سماعة المعتضد بن بما عرفت ففي أحدهما سئلته عن جلود السّباع ينتفع بها قال إذا رميت و سميت فانتفع بجلده و في الأخر سئلته عن لحوم السّباع و جلودها فقال اما لحوم السّباع و السّباع من الطير فانا نكرهه و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه إذ لو لا وقوع التذكية عليها لم يجز الانتفاع بجلودها ضرورة كونها (حينئذ) ميتة لا يجوز الانتفاع بشيء منها الا ما استثنى بل و بالسيرة المستمرة في جميع الأعصار و الأمصار على استعمال جلودها و بما ورد من النصوص في جواز استعمال جلد السمور و الثعالب بل في خبر ابى مخلد قال كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل معتب فقال بالباب رجلان فقال أدخلهما فقال أحدهما انى رجل سراج أبيع جلود النمر فقال مدبوغة هي قال نعم قال ليس به بأس و غير ذلك مما مر في لباس المصلى و من الغريب بعد ذلك كله ما في المسالك من التردد في الحكم المزبور استضعافا لموثقى سماعة و كونهما مضمرين و ظهور نونه الامام (عليه السلام) غير كاف في العمل بمقتضى هما الى أخر ما ذكره مما لا يخفى عليك النظر فيه بعد ان كان الموثق الثاني مسندا في محكي الفقيه انتهى و كما علم من ذلك وجه التقييد بقول (المصنف) (رحمه الله) بناء على وقوع التذكية عليها (كذلك) استفيد مما ذكره من الموثقين تحقق وقوع التذكية عليها شرعا و من هنا يعرف انه لا وجه لاقحام لفظ البعض في قول (المصنف) (رحمه الله) و قد نص في الرواية على بعضها بناء على ما هو الظاهر منه من عود الضّمير الذي أضيف إليه لفظ البعض الى السباع و يكون المراد بالبعض (حينئذ) ما دل عليه ما عدا الموثقين من النصوص المشار إليها بعدهما نعم يمكن ان يتكلف في العبارة بأن يقال ان الضمير يعود الى الانتفاعات باعتبار ارادة الجنس من لفظ الانتفاع المفرد المذكور في الكلام فيكون المراد بالبعض ما عدا الانتفاع باللبس في الصّلوة ثم ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من جواز بيع السّباع قد جعله المحقق (رحمه الله) أشبه بأصول المذهب و قواعده و لهذا قال في التذكرة و لو قيل بجواز بيع السّباع كلها لفائدة الانتفاع بجلودها كان حسنا انتهى و في (الشرائع) الانتفاع بجلدها و ريشها هذا و يبقى هنا شيء أخر و هو ان ما يصلح للصيد من السباع يجوز بيعه و ان لم نقل بقبولها للتذكية سواء كان من جنس الطيور و غيرها لأنها عين طاهرة ينتفع بها نفعا محللا معتدا به قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة يجوز بيع الفيل و الهرة و ما يصلح للصيد كالفهد و بيع دود القز و النحل مع المشاهدة