الإمام المهدي عليه السلام في القرآن و السنة - سعيد ابو معاش - الصفحة ٢٧ - تحقيق للعلاّمة الكراجكيّ في الغيبة و سببها
لطف و مصلحة. ألا ترى إن قائلا قال: لم لم يعاجل اللّه تعالى العصاة بالعقاب و النقمة، و يظهر آياته للناس في كلّ يوم و ليلة، حتّى يكون ذلك آكد في اقامته عليهم الحجّة، أليس كان جوابنا له مثل ما أجبنا في ظهور صاحب الغيبة، من أنّ ذلك لا يلزم ما لم يفارق وجها معلوما من المصلحة.
و عندنا أنّ اللّه سبحانه لم يمنعه من الظهور و إن قتل إلاّ و قد علم أنّ مصلحة المكلّفين مقصورة على كونه إماما لهم بعينه، و أن لا يقوم غيره فيها مقامه، فكذلك أمره بالاستتار في المدّة الّتي علم أنّه متى ظهر فيها قتله الفجّار.
فإن قال الخصم: هلاّ أظهره اللّه تعالى، و أرسل معه ملائكة تبيد كلّ من أراده بسوء، و تهلك من قصده بمكروه؟
قيل له: قد سألت الملحدة من مثل هذا السؤال في إرسال الأنبياء عليهم السّلام، فقالوا: لم لم يبعث اللّه تعالى معهم من الأملاك من يصدّ عنهم كلّ سوء يقصدهم به العباد؟فكان الجواب لهم: إنّ المصالح ليست واقعة بحسب تقدير الخلائق... ، و إنّما هي بحسب المعلوم عند اللّه عزّ و جلّ، و بعد فانّ اصطلام اللّه تعالى للعاصين، و معاجلته باهلاك ساير الظالمين، قاطع لنظام التكليف، و ربّما اقتضى ذلك عموم الجماعة بالهلاك، كما كان في الأمم السابقة في الزمان.
و هو أيضا مانع للقادرين من النظر في زمان الغيبة المؤدّي إلى المعرفة و الاجابة، فقد يصحّ أن يكون فيهم و منهم في هذه المدّة من ينظر فيعرف الحق و يعتقده، أو يكون فيهم معاندون مقرّون، قد علم اللّه سبحانه أنّهم إن بقوا كان من نسلهم ذريّة صالحة، فلا يجوز أن يحرمها الوجود بإعدامهم في مقتضى الحكمة، و ليس العاصون في كلّ زمان هذا حكمهم، و ربّما علم ضدّ ذلك منهم، فاقتضت الحكمة إهلاكهم كما كان في زمن نوح عليه السّلام، حيث قال: رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً*إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً [١] .
فان قال السائل: إنّ آباءه عليهم السّلام قد كانوا أيضا في زمان مخافة و أوقات صعبة، فلم لم
[١] -نوح: ٢٦ و ٢٧.
غ