الإمام المهدي عليه السلام في القرآن و السنة - سعيد ابو معاش - الصفحة ٢٦ - تحقيق للعلاّمة الكراجكيّ في الغيبة و سببها
فنقول: إنّ السبب في غيبة الإمام عليه السّلام إخافة الظالمين له، و طلبهم بسفك دمه، و إعلام اللّه أنّه متى أبدى شخصه لهم قتلوه، و متى قدروا عليه أهلكوه، فحصل ممنوعا من التصرّف فيما جعل إليه من شرع الإسلام، و هذه الأمور الّتي هي مردودة إليه و معوّل في تدبيرها عليه، فإنّما يلزمه القيام بها بشرط وجود التمكّن و القدرة، و عدم المنع و الحيلولة، و ازالة المخافة على النفس و المهجة، فمتى لم يكن ذلك فالتقيّة واجبة، و الغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة، لأنّ التحرّز من المضارّ واجب عقلا و سمعا. و قد استتر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في غار حراء، و لم يكن لذلك سبب غير المخافة من الأعداء.
فإن قال السائل: إنّ استتار النبيّ صلّى اللّه عليه و اله كان مقدارا يسيرا لم يمتدّ به الزمان، و غيبة صاحبكم قد تطاولت بها الأعوام.
قيل له: ليس القصر و الطول في الزمان يفرق في هذا المكان، لأنّ الغيبتين جميعا سببهما واحد، و هي المخافة من الأعداء، فهما في الحكم سواء، و إنّما قصر زمان أحداهما لقصر مدة المخافة فيها، و طول زمان الأخرى لطول زمان المخافة. و لو ضادّت إحداهما الحكمة و أبطلت الاحتجاج، لكانت كذلك الأخرى.
فان قال: فالأظهر إبداء شخصه، و اقام الحجّة على مخالفيه و إن ادّى إلى قتله.
قيل لهم: إنّ الحجّة في تثبيت إمامته قائمة في الأمّة، و الدلالة على إمامته موجودة ممكنة، و النصوص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و من الأئمّة على غيبته مأثورة متّصلة، فلم يبق بعد ذلك أكثر من مطالبة الخصم لنا بظهوره ليقتل. فهذا غير جائز، و قد قال اللّه سبحانه: وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ [١] .
و قال موسى عليه السّلام: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمََّا خِفْتُكُمْ [٢] .
فإن قال السائل: إنّ في ظهوره تأكيدا لإقامة الحجّة، و كشفا لما يعترض أكثر الناس في أمره من الشبهة، فالأوجب ظهوره، و إن قتل لهذه العلّة.
قيل له: قد قلنا في النهي عن التغرير بالنفس بما فيه الكفاية، و نحن نأتي بعد ذلك بزيادة فنقول: إنّه ليس كلّما نرى فيه تأكيدا لإقامة الحجّة فإنّ فعله واجب، ما لم يكن فيه
[١] -البقرة: ١٦٥.
[٢] -الشعراء: ٢١.