الإمام المهدي عليه السلام في القرآن و السنة - سعيد ابو معاش - الصفحة ٢٢ - إثبات الغيبة و الحكمة فيها
فلمّا نبتت الاشجار و تأزّرت و تسوّقت و تغصّنت و أثمرت، وزها الثمر عليها بعد زمن طويل، استنجز من اللّه سبحانه و تعالى العدّة، فأمره اللّه تبارك و تعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار و يعاود الصبر و الاجتهاد، و يؤكّد الحجّة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاث مائة رجل، و قالوا: لو كان ما يدعيه نوح حقّا، لما وقع في وعد ربه خلف.
ثمّ إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة أن يغرسها تارة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة، إلى أن عاد إلى نيّف و سبعين رجلا. فأوحى اللّه عزّ و جلّ عند ذلك إليه و قال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرّح الحق عن محضه، وصفى الأمر للايمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة.
فلو أنّي أهلكت الكفّار، و أبقيت من قد ارتدّ من الطوائف الّتي كانت آمنت بك لما كنت صدّقت و عدي السابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك، و اعتصموا بحبل نبوتّك، بأن أستخلفهم في الأرض و أمكّن لهم دينهم، و أبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم.
و كيف يكون الاستخلاف و التمكين و بدل الخوف بالأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا، و خبث طينتهم، و سوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النفاق و سنوح الضلالة، فلو أنّهم تسنّموا منّي من الملك الّذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف اذا أهلكت أعداءهم، لنشقوا روائح صفاته، و لاستحكمت سرائر نفاقهم، و تأبّد حبال ضلالة قلوبهم، و كاشفوا إخوانهم بالعداوة، و حاربوهم على طلب الرئاسة و التفرّد بالأمر و النهي، و كيف يكون التمكين في الدّين و انتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن و ايقاع الحروب كلاّ: (فاصنع الفلك بأعيننا و وحينا) [١] .
قال الصادق عليه السّلام: و كذلك القائم عليه السّلام تمتدّ أيّام غيبته ليصرح الحق عن محضه، و ليصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، من الشيعة الّذين يخشى
[١] -اقتباس من الآية ٣٧ من سورة هود: وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنََا وَ وَحْيِنََا .