إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٩٨ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
كل حادث فهو مسبوق بامكان مقارن للعدم و هو قوة الوجود، و مادة و هى موضوع تلك القوة.
و لا يخفى عليك أن المقدمة القائلة بان الامكان ليس نفس القدرة لو حذفت من البين لتم البيان دونها إلا أنه لما كانت القدرة سابقة على وجود الحادث كما أن الامكان سابق عليه فربما يذهب الوهم إلى أنه هى. فاوردت تلك المقدمة دفعا لهذا الوهم كما فى برهان الزمان
و كأن سائلا يقول: المراد بهذا الامكان إما الامكان الاستعدادى، و إما الامكان الذاتى.
فان كان الأول فلا نسلم أن كل حادث قبل حدوثه ممكن الوجود.
قوله «ان كل حادث فهو قبل وجوده إما ممكن الوجود أو ممتنع الوجود» قلنا: لا نسلم الحصر. و هو ظاهر: و إن كان الثاني فلا نسلم احتياجه إلى محل غير الممكن بل من المحال أن يقوم بغير الممكن و الا لكان الممكن فى نفسه غير ممكن.
اجاب عنه بقوله: و اعلم أن كل إمكان. و هو تفصيل ما ذكره الشيخ فى الشفاء
و تقريره: أن المراد الامكان الذاتى و هو محتاج إلى محل غير الممكن لان الامكان الذاتى هو بالقياس إلى الوجود. و الوجود إما بالذات أو بالعرض. و الوجود بالذات هو كون الشيء فى نفسه، و الوجود بالعرض هو كون الشيء شيئا آخر كوجود الجسم أبيض. فالممكن أن يوجد إما يمكن أن يوجد شيئا آخر. أو يمكن أن يوجد فى نفسه. فان كان يمكن أن يوجد شيئا آخر فلا بد فى وجوده من ذلك الشيء حتى يمكن أن يكون شيئا آخر
كما يقال: الجسم يمكن أن يكون أبيض. لان الامكان هنا إضافة إلى وجود الابيض و هو وجود للجسم بالعرض لانه كون الجسم شيئا آخر.
و هكذا ما يقال: الجسم يمكن أن يوجد له البياض. فليس معناه إلا أن الجسم يمكن أن يكون موجودا آخر و هو أبيض. و الغرض من قوله: فهو يكون للشيء بالقياس إلى وجود شيء آخر له، او بالقياس الى صيرورته موجودا آخر. التعبير عن معنى الموجود بالعرض بعبارتين متقاربتى المعنى فان إحداهما: أن الوجود بالعرض هو أن يوجد شيء لشيء آخر و ثانيهما: أن يوجد شيء شيئا آخر. و لا شك