إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٣٦
فالجواب: أن اللذة ليست نفس ادراك الملايم بل حالة تابعة لادراك الملايم، فمن البين انا اذا ادركنا ملائما حصل لانفسنا حالة اخرى بحسبه هى اللذة فادراك الملايم و المنافر و ان اقتضى اللذة و الالم الا أن هذا الاقتضاء لا يوجب وجود تلك الحالات عند الادراك دائما. فربما يتوقف حصولها على وجود شرط أو ارتفاع مانع و لا شك أن للنفس الفا بالمحسوسات و الشهوات و اتصافا بالاخلاق الذميمة. فلعل ذلك مانع من وجد ان اللذة بالمعقولات كما ان المريض الممرور الذي يغلب عليه مرة الصفراء لا يلتذ بالحلاوى بل يعافها و يكرهها.
لا يقال اثبتوا للّه تعالى لذة عقلية فلو كانت اللذة حالة زائدة على الادراك لزم وجود امر زائد فى ذاته تعالى و انه محال.
لانا نقول: اللذة فينا معنى زائد على ادراك الملايم بخلاف اللذة فى البارى كما فى العلم و القدرة و غيرهما من الصفات، او نقول: اللذة ليست هى ادراك الملايم فقط بل ادراك و نيل للملايم.
و نيل المعقولات يشبه حالة العيان بعد حال الغيبة. و لهذا قال من كمل قوته العلمية يجد لذات عقلية عظيمة. فلعله و اصل الى نيل المعقولات فهو عين اليقين. و مثال ذلك العنين لو فرضناه يتصور الجماع بانه ادخال فى فرج لا يلتذ به كما يلتذ من ناله. فاللذة ليست من الادراك بل من النيل، و كذلك من تصور الحسن لا يلتذ به بل من نيله فالنفس ما دامت الفت بالمحسوسات مشوبة بشوائبها و كان المعقولات لا تمثيل فيها تمثلا تاما بحيث يلاحظها حق الملاحظة اما اذا تخلص من هذه الشوائب فربما تعتورها حال كالمشاهدة بالنسبة اليها و هو نيلها.
و اعلم ان المطلوب من هذه الفصل ليس الا نفى حصر اللذات فى الحسية الظاهرة و استحقار غيرها. و انما ذكرنا ما ذكرنا تنبيها على المطلوب بالذات من النمط كما سيأتى تفاصيلها. م