إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٢٢٦ - النمط السادس فى الغايات و مباديها و فى الترتيب
لذاته. أن ما يتصوره العقل من الخلاء يحكم عليه العقل بانه ممتنع الوجود فى الخارج بالنظر الى ذلك المتصور لا بالنظر الى ذلك الغير. و كذا معنى الواجب لذاته ليس أن هناك ذاتا و وجودا تقتضيه و انما هو شىء يتصوره العقل و يحكم عليه بالوجود من حيث ذاته لا بالنظر الى الغير بخلاف الممكن لذاته. فان العقل لا يحكم بوجوده و لا بعدمه الا بعد اعتبار وجود علته او عدمها.
اذا تقرر ذلك فنقول: شىء يتصوره العقل و يسميه بالخلاء فعدم الخلاء عبارة عن نفى ذلك المتصور بخلاف عدم الانسان فانه نفى الموجود فى الخارج فهما عدمان خارجيان الا أن عدم الخلاء عدم فى الخارج لموجود عقلى، و عدم الانسان عدم فى الخارج لموجود خارجى. فمتى وجد المحوى من حيث انه ملاء يلزمه نفى ذلك المتصور قطعا، و متى انتفى ذلك المتصور يلزم وجود المحوى من حيث انه ملاء فوجود المحوى و عدم الخلاء متلازمان فى نفس الامر. و ليس المراد من قوله فى المتلازمين:
لا يتصور. التلازم فى العقل اذ لا تلازم بحسب العقل على ما لا يخفى. و على تقدير التلازم العقلى فهو ليس مقدمة البرهان فان المقدمة هى كونهما متلازمين فى الوجود بحسب الامر نفسه؛ بل المراد المبالغة فى عدم تحقيق الانفكاك على ما هو الشائع فى عرف التخاطب.
و فى التقيد بقوله: من حيث هو ملاء. فايدتان:
الاولى: ان هذا التلازم لا بد فيه من اعتبار الحاوى فان المحوى لا يستلزم من حيث ذاته نفى الخلاء؛ بل من حيث انه متجدد بالحاوى فان الخلاء هو المكان الخالى كما أن الملاء هو المكان المملو فيجب اعتبار سطح الحاوى ثم تصوره تارة خلاء و تارة ملاء. و اما نفس الجسم فهو لا يستلزم الخلاء و لا الملاء فان الحاوى جسم و لا خلاء و لا ملاء اذ لا مكان له. فاستلزام المحوى نفس الخلاء ليس الا من حيث انه يملأ المكان. هذا ما سمعناه و اشعر به كلامه.
و فيه نظر: لان عدم الخلاء و هو عدم المكان الخالى اما لعدم المكان أو لوجود الملاء فاستلزام المحوى لعدم الخلاء لا ينحصر فى حيثية الملاء فانه لا خلاء مع المحوى على تقدير عدم السطح الحاوى أيضا.
الثانية: اندفاع سؤال و هو ان الخلاء عدم المحوى فعدمه عدم العدم فيكون ثبوتيا. فعدم الخلاء هو نفس المحوى. فالقول بان المحوى مع عدم الخلاء بمنزلة القول بان الشىء مع نفسه.
و جوابه: انا لا نسلم أن الخلاء هو عدم المحوى بل عدم الخلاء انما يعرض للمحوى من حيث انه ملاء و كونه ملاء وصف للمحوى باعتبار مكانه. و كأن قوله: المقارن المغاير للمحوى و هو نفى ما يتصور منه أى من الخلاء. تنبيه على هذا فانه ربما ظن أن عدم الخلاء عين وجود المحوى لشدة تقارن معنييهما. م