إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٣١ - النمط السابع فى التجريد
و ان لم يأول توقف القبول به على اثبات المعاد الجسمانى. و حينئذ لو سئل و قيل: لم يعاقب؟ فان اريد أن غرض اللَّه تعالى من العقاب أى شىء هو. سقط السؤال لان افعاله تعالى منزهة عن الاغراض و إن كان السؤال عن سبب العقاب فجوابه ظاهر. و هو انه لما ارتكب الافعال المنهية عاقبه اللَّه تعالى على عصيانه.
نعم يرد السؤال على وجه وجيه و هو ان اللَّه تعالى خير محض بالذات و العقوبة شر محض فكيف صدرت من اللَّه تعالى.
و جواب الشيخ عن هذا الوجه و تحرير جوابه أن يقال: لما كانت نفس الانسانية فى علم البارى قابلة للكمالات فكانت الحكمة العالية اقتضت افاضة تلك الكمالات لكن بحسب استعدادات يحصل لها من أفاعيلها و كان فيها قوى يمنعها من تلك الافاعيل الى افاعيل تضادها قدر تكليفا و تخويفا يكون من اسباب ارادته الافعال الجميلة و لما كان الوفاء بذلك التخويف أيضا من اسباب ذلك مؤكدا له. و الوفاء بالتخويف العقوبة. لا جرم صار العقوبة سببا من اسباب ارادة الافاعيل الجميلة. غاية ما فى الباب ان العقوبة يكون شرا بالقياس الى الشخص المعذب لكنها لما كانت سببا لكمالات ساير النفوس لم يلتفت إلى ذلك فان ترك الخير الكثير لاجل الشر اليسير شر كثير. ثم لما لم يكن بد من أن يكون لذلك التكليف شارع و حافظ بعث الانبياء و الرسل لذلك. فهذه كلها اسباب لصدور الفعل الخير من النفس