إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣٢٣ - النمط السابع فى التجريد
و أما إذا كان موجبا لذاته لم يكن أن يقال: لم فعل هذا دون ذاك؟ لانه لما وجدت هذه الافعال لان ذاته كانت موجبة لها استحال فى العقل عدم صدورها عنه سواء كانت الافعال خيرات أو شرورا.
و أما انه لا بد من القول بالحسن و القبح العقليين لانها لو لم يقل بذلك كان الكل حسنا صوابا من اللَّه على ما هو قول الاشعرية. فلا يمكن ان يقول: لا يجوز من اللَّه تعالى فعل الشر و يجب أن يكون فاعلا للخير.
و هذا البحث انما يستقيم على قول المعترفين بهذين الاصلين و هم المعتزلة، و اما الذين ينكرونهما و هم الفلاسفة، او احدهما و هم الاشاعرة. فيكون البحث ساقطا عنهم كما مر. فيكون خوضهم فيه من الفضول.
و الجواب: انا لا نسلم ان الفلاسفة لم يقولوا بالفاعل المختار بل هم قائلون به كما مر فامكن أن يقال: لم اختار هذا دون ذلك، و ايضا لا نسلم انهم لا يقولون بالحسن و القبح العقليين فان الحسن و القبح العقليين يطلقان على ملائمة الطبع و منافرته، و على كون الشىء صفة كمال او صفة نقصان، و على كون الفعل موجبا للثواب و العقاب و المدح و الذم. و لا نزاع فى الاولين انما النزاع فى المعنى الاخير. فيتجه أن يقال: اللَّه تعالى كامل بالذات خير بالذات فكيف يوجد منه الشر و الناقص.
و اليه اشار بقوله: انما يبحثون عن كيفية صدور الشر عما هو خير بالذات. و لا خفاء فى أن اندفاع الشبهة يتوقف على المنعين جميعا. و انما اقتصر على المنع الثاني تعويلا على ما سبق منه فى تحقيق الاختيار.