إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٣١ - النمط الرابع فى الوجود و علله
فان الشيء اما ماهية أو وجود. فما هو غير الوجود يمكن أن يكون سببا لصفته و يمكن أن يكون صفته سببا لصفة اخرى: لكن لا يمكن أن يكون سببا لوجوده فان السبب متقدم بالوجود و لا شيء يتقدم بالوجود على الوجود. و هذا تنبيه على أن واجب الوجود ليس غير الوجود فان الذي هو غير الوجود لا يكون سببا لوجوده فلا يكون موجودا بذاته فلا يكون واجب الوجود بل واجب الوجود هو الوجود الذي هو موجود بذاته.
فان قلت: ما ذكرتم فى غير الوجود آت فى الوجود. فان الوجود لو كان سببا لوجوده و السبب يتقدم بالوجود كان الوجود مقدما بالوجود على وجوده و انه محال.
فنقول: لا نسلم أنه محال. فان تقدم الوجود على وجوده إنما هو بنفسه و هو الوجود، و غير الوجود يتقدم لا بنفسه على وجوده بل بوجوده و لا شك فى استحالته.
و نقول لمزيد الايضاح: كل ما هو غير الوجود فهو معلول لان الانسان اما أن يكون موجودا للانسانية و لانه انسان، و اما أن يكون موجودا بسبب شيء من خارج. لا سبيل الى الأول. لان الانسان انما يكون انسانا اذا كان موجودا فلو كان كونه موجودا لانه انسان لكان كونه موجودا لكونه موجودا فيكون الانسان موجودا قبل كونه موجودا و هو محال. فبقى أن لا يكون الانسان موجودا الا عن علة و ينعكس بعكس النقيض الى أن كل ما لا يكون معلولا لا يكون غير الوجود بل هو نفس الوجود.
فلو قيل: الوجود أيضا كذلك لا يجوز أن يكون موجودا لانه وجود لانه انما يكون وجودا لو كان موجودا فيكون موجودا لانه موجود فيعود المحال.
فالجواب: أن الوجود انما يكون موجودا لا بوجود اخر بل بنفسه. فلا معنى لقولنا الوجود موجود لانه وجود الا أن الوجود موجود بنفسه فلا يلزم أن يكون الوجود موجودا قبل كونه موجودا