إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ١٢٥ - النمط الخامس فى الصنع و الابداع
قوله «و عارض الفاضل الشارح» قد علمت أن تغاير الحيثيتين يستلزم أحد الامرين: اما تركب العلة، أو تعدد صفاتها. كما نص الشارح عليه فى قوله: بل هو شيئان أو شىء موصوف بصفتين.
و الامام حمل كلام الشيخ على ظاهره، و حكم بذهابه الى أن تغاير الجهتين مفهوما يستدعى تركب العلة فى الحقيقة لا غير. ثم أورد عليه نقوضا: و هى أن الدليل المذكور لو صح لزم أن لا يسلب عن الواحد الا شىء واحد. فانه لو سلب عنه شيئان كالشجر و الحجر فمفهوم سلب الشجر عنه غير مفهوم سلب الحجر عنه. فان كان مفهوم أحد المفهومين مقوما يلزم التركيب، و ان كانا عارضين كانا معلولين. فعليته لاحدهما غير عليته للاخر، و يعود الكلام. فيتسلسل، أو ينتهى التركيب. و ان لا يتصف الواحد الا بصفة واحدة. فان المفهوم من اتصافه بالجلوس مثلا غير المفهوم من اتصافه بالقيام الى آخره. و ان لا يقبل الواحد الأشياء واحدا. فان قبول أحدهما غير قبول الاخر.
و هذه الشبهة مندفعة بالمعنيين المذكورين لورودهما عليها الا على أصل الدليل.
و تحرير جواب الشارح: ان السلب و الاتصاف و القبول متعدد لاختلاف الحيثيات و الاعتبارات.
فان السلب يتوقف على مسلوب و مسلوب عنه. فالسلب عن الشىء بالقياس الى مسلوب غيره بحسب مسلوب آخر. و كذا اتصاف الشىء بوصف غير اتصافه بآخر، و قبول الشىء بالقياس الى مسلوب غيره بحسب مسلوب آخر. و كذا اتصاف الشىء بوصف غير اتصافه بآخر، و قبول الشىء لقبول غير قبوله لاخر.
و كما أن السلب عن الشىء و اتصافه و قبوله يتعدد كذلك الشىء يتعدد بحسب تلك الحيثيات. و صدور الأشياء الكثيرة عن الأشياء الكثيرة ليس بمحال. فجاز أن يتعدد. و السلب و الاتصاف و القبول بحسب تعدد الشىء و تعدد الحيثيات. و أما الصدور فلما لم يتوقف الا على شىء واحد و هو ذات العلة لم يكن لها حيثيات متعددة فتعدده لا يكون الا للتركيب. فلهذا استلزم تعدد الصدور التركب و لم يستلزم تعدد السلب و الاتصاف و القبول التركيب.
و انما قلنا: أن الصدور لا يتوقف الا على امر واحد. لانه لو توقف على امرين يكون احدهما ممكنا لاستحالة تعدد الواجب. فيكون له صدور يتوقف على امرين. فيلزم التسلسل و لا ينتهى الممكنات الى مبدء واحد.