علي امام البررة - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٥٨ - المعاذ من خبر معاذ
الذي
وهب ما لايملک، وقبول الموهوب له ما لايستحق. وکيف کانت الضمائر يومئذ
وکأنها ماتت بعد موت النبي، ولم يکن معاذ المصدِّق (جابي الصدقات) الوحيد
الذي تُرک له ما جباه من أموال الصدقات، ليکون ضد الشرعيةالدينية، فأبو
سفيان بن حرب أيضاًکذلک، تُرک له ما جباه بسعايته، وکم لهما من نظير،
والباحث في تاريخ تلک الحقبة يجد من التناقض الشيء الکثير والخطير.
وهکذا ـ بجرّة من القلم ـ أصبح معاذ قاضياً للنبي باليمن، وحاکماً في الحروب، ومصدّقاً،إليه تدفع الصدقات کما يقول ابن کثير.[١]
أقول:
وقد عدوه في زمرة المفتين، فحکى له أبو داود رأياًفي ميراث المسلم من
الکافر، وذکر ابن کثير موافقاًله في المذهب معاوية بن أبي سفيان وآخرين.
وقال: وخالفهم الجمهور، ومنهم الأئمةالأربعة وأصحابهم...
ولايهمّنا
مخالفتهم، فما دام الرجل بلغ المکانة العليا التي ترشِّحه لمنصب الخلافة،
حتىتمنَّى عمر عند موته حياته ليستخلفه علىأمة محمد، فأن سأله ربه عمن
استخلف، قال: قلت: معاذ، فإني سمعت نبيک يقول: يأتي معاذ بين يدي العلماء
يوم القيامة.
أولا تکفي له شهادة عمر وحجّته في ترشيحه للخلافه؟ وإن
کان معاذ من الأنصار، والأنصار لاحق لهم في الخلافة کما احتج أبوبکر وعمر
بذلک في السقيفة، وهکذا للمصالح المتبادلة تأثيرها التام في تغيير الحقائق
وقلب المفاهيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ـــــــــــ
[١] السيرةالنبوية لابن کثير ٤/٢٠٠.