الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٦ - باب مواعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
كافة الناس بشيرا و نذيراوَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً ثم حب أهل بيتي الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.
و اعلم يا أبا ذر أن اللَّه عز و جل جعل أهل بيتي في أمتي كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق، و مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخلها كان آمنا، يا أبا ذر احفظ ما أوصيك به تكن سعيدا في الدنيا و الآخرة، يا أبا ذر نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة و الفراغ، يا أبا ذر اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك، و غناك قبل فقرك، و فراغك قبل شغلك، و حياتك قبل موتك، يا أبا ذر إياك و التسويف بأملك [١] فإنك بيومك و لست بما بعده، فإن يكن غد لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، و إن لم تكن غدا لم تندم على ما فرطت في اليوم.
يا أبا ذر كم من مستقبل يوما لا يستكمله و منتظر غدا لا يبلغه، يا أبا ذر لو نظرت إلى الأجل و مسيره لأبغضت الأمل و غروره، يا أبا ذر كن كأنك في الدنيا غريب أو كعابر سبيل، و عد نفسك من أصحاب القبور، يا أبا ذر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، و إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، و خذ من صحتك قبل سقمك، و من حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا، يا أبا ذر إن تدركك الصرعة قبل العثرة، فلا تقال العثرة، و لا تمكن من الرجعة، و لا يحمدك من خلفت بما تركت، و لا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به.
يا أبا ذر كن على عمرك أشح منك على درهمك و دينارك، يا أبا ذر هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا أو فقرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا [٢] أو موتا مجهزا، أو الدجال فإنه شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى و أمر، إن شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه، و من طلب علما ليضرب به
[١] . هكذا في الأصل و لكن في مكارم الأخلاق ص ٤٥٩: بعملك، و الظاهر هو الصحيح.
[٢] . أصل الفند بالتّحريك نقصان عقل يفسد من هرم و منه عجوز مفندة و يقال أصل الفند الخرف- مجمع البحرين، و في مكارم الأخلاق: مقعدا.