الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٦٨ - باب المخلوقات و ابتدائها
عن محمد بن داود، عن محمد بن عطية، قال: جاء إلى أبي جعفر ع رجل من أهل الشام من علمائهم، فقال: يا با جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس، فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر، فقال له أبو جعفر ع" ما ذاك" قال: فإني أسألك عن أول ما خلق اللَّه من خلقه فإن بعض من سألته، قال: القدر و قال بعضهم: القلم، و قال بعضهم: اللوح.
فقال أبو جعفر ع" ما قالوا شيئا، أخبرك أن اللَّه تعالى كان و لا شيء غيره، و كان عزيزا، و لا أحد كان قبل عزه و ذلك قوله سبحانهسُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [١] و كان الخالق قبل المخلوق و لو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل اللَّه إذا و معه شيء ليس هو يتقدمه و لكنه كان إذ لا شيء غيره و خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه، و هو الماء الذي خلق الأشياء منه [٢] فجعل
[١] . الصّافّات/ ١٨٠.
[٢] . قوله «و هو الماء الذي خلق الأشياء منه» الماء عند ثاليس الملطي هو مبدأ الأشياء، و الظاهر أنّه أخذ رأيه هذا عن التوراة و استحسنه، و قد روي مثل هذا الكلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام في نهج البلاغة، و لمّا كان عالم العناصر خلق للتغيّر و التبدّل و الانتقال من صورة إلى صورة، و الجسم إمّا أن لا يكون قابلا للانفعال و قبول الصور المختلفة كالرّيح و النّار، و إمّا أن يكون قابلا بالسهولة كالماء أو غير قابل كالأرض و الأحجار إلّا بصعوبة، أمّا الرّيح و النّار فلا يمكن أن تكونا أصلا في الغرض المخلوق لأجله عالم العناصر لعدم حفظهما الصور و فائدتهما الفعل و التأثير، و أمّا الأرض فغير قابلة أيضا بسهولة، و الغرض من خلقتها أن يخلطه بالماء ليحفظ الصور المتجدّدة الطارية على الماء، و لو لم تكن الأرض كان زوال الصور عن الماء سهلا كحصول الصور، فثبت أنّ الأصل في عالم العناصر هو الماء و العناصر الباقية في الرتبة الثانية،-