الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٩ - باب مواعظ اللّه سبحانه
و تمن علي فأكرمك هذه جنتي فتبحبح فيها و هذا جواري فأسكنه فتقول الروح إلهي عرفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك و عزتك و جلالك لو كان رضاك في أن أقطع إربا إربا أو أقتل سبعين قتلة بأشد ما يقتل به الناس لكان رضاك أحب إلي إلهي و كيف أعجب بنفسي و أنا ذليل إن لم تكرمني و أنا مغلوب إن لم تنصرني و أنا ضعيف إن لم تقوني و أنا ميت إن لم تحيني بذكرك و لو لا سترك لأفتضحت أول مرة عصيتك إلهي كيف لا أطلب رضاك و قد أكملت عقلي حتى عرفتك و عرفت الحق من الباطل و الأمر من النهي و العلم من الجهل و النور من الظلمة فقال اللَّه عز و جل و عزتي و جلالي لا أحجب بيني و بينك في وقت من الأوقات حتى تدخل علي أي وقت شئت و كذلك أفعل بأحبائي.
يا أحمد هل تدري أي عيش أهنأ و أية حياة أبقى قال: اللهم لا، قال: أما العيش الهنيء فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري و لا ينسى نعمتي و لا يغفل عني و لا يجهل حقي و يطلب رضاي ليله و نهاره، و أما الحياة الباقية فهي للذي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا و تصغر في عينه و تعظم الآخرة عنده و يؤثر هواي على هواه فيبتغي مرضاتي و يعظمني حق عظمتي و يذكر علمي به و يراقبني بالليل و النهار عند كل سيئة و معصية و ينقي قلبه عن كل ما أكره و يبغض الشيطان و وسواسه و لا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا و سبيلا فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبا حتى أجعل قلبه لي و فراغه و اشتغاله و همه لي و حديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي و أفتح عين قلبه و سمعه حتى يسمع بقلبه مني و ينظر بقلبه إلى جلالي و عظمتي و أضيق عليه الدنيا و أبغض إليه ما فيها من اللذات و أحذره من الدنيا و ما فيها كما يحذر الراعي غنمه من مراتع الهلكة فإذا كان هكذا يفر من الناس فرارا و ينقل من دار الفناء إلى دار البقاء و من دار الشيطان إلى دار الرحمن.
يا أحمد و لأزيننه بالهيبة و العظمة فهذا هو العيش الهنيء و الحياة الباقية، يا أحمد لا غناء لمن لا عقل له، و لا فقر لمن لا جهل له، و لا رضى لمن لا يرضى