الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٧٥ - باب مواعظ أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام
يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره و تسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا، و اجعل الموت نصب عينك، و لا تدخر شيئا لغد، و اعلم أن لك ما قدمت و عليك ما أخرت.
يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، و من أطاع هواه فقد أطاع عدوه، و من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه و آخرته و يحفظ له ما غاب عنه، و قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، و لكل نعمة شكرا، و لكل عسر يسرا، صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية، فإنما يقبض عاريته و يأخذ هبته ليبلو فيهما شكرك و صبرك، و ارج اللَّه رجاء لا يجرؤك على معصيته و خفه خوفا لا يؤيسك من رحمته، و لا تغتر بقول الجاهل و لا بمدحه فتكبر و تجبر تعجب بعملك، فإن أفضل العمل العبادة و التواضع، فلا تضيع مالك و تصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك، و أقنع بما قسمه اللَّه لك، و لا تنظر إلا إلى ما عندك، و لا تتمن ما لست تناله، فإن من قنع شبع، و من لم يقنع لم يشبع، و خذ حظك من آخرتك، و لا تكن بطرا في الغنى، و لا جزعا في الفقر، و لا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك، و لا تكن واهنا يحقرك من عرفك، و لا تشار من فوقك، و لا تسخر بمن هو دونك، و لا تنازع الأمر أهله و لا تطع السفهاء، و لا تكن مهينا تحت كل أحد، و لا تتكلن على كفاية أحد وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، و اجعل قلبك قريبا تتنازله [١]، و اجعل علمك [٢] والدا تتبعه، و اجعل نفسك عدوا تجاهده، و اجعل مالك عارية تردها، فإنك قد جعلت طبيب نفسك و عرفت آية الصحة، و بين لك الداء، و دللت على الدواء، فانظر قيامك على نفسك، و إن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن و الذكر لها، و لكن أتبعها بأفضل منها، فإن ذلك
[١] . في المصدر: تشاركه.
[٢] . في المصدر: عملك.