الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٠ - باب مواعظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
ترى خاشعا، يا أبا ذر و الذي نفس محمد بيده لو أن الدنيا كانت تعدل عند اللَّه جناح بعوضة أو ذباب ما سقى الكافر منها شربة من ماء، يا أبا ذر إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا من ابتغى به وجه اللَّه، و ما من شيء أبغض إلى اللَّه تعالى من الدنيا خلقها ثم عرضها فلم ينظر إليها و لا ينظر إليها حتى تقوم الساعة، و ما من شيء أحب إلى اللَّه تعالى من الإيمان به و ترك ما أمر بتركه، يا أبا ذر إن اللَّه تبارك و تعالى أوحى إلى أخي عيسى عليه السلام: يا عيسى لا تحب الدنيا فإني لست أحبها و أحب الآخرة، فإنما هي دار المعاد، يا أبا ذر إن جبرئيل عليه السلام أتاني بخزائن الدنيا على بغلة شهباء، فقال لي: يا محمد هذه خزائن الدنيا و لا تنقصك من حظك عند ربك، فقلت: حبيبي جبرئيل لا حاجة لي فيها، إذا شبعت شكرت ربي و إذا جعت سألته، يا أبا ذر إذا أراد اللَّه عز و جل بعبد خيرا فقهه في الدين، و زهده في الدنيا، و بصره بعيوب نفسه.
يا أبا ذر ما زهد عبد في الدنيا إلا أنبت اللَّه الحكمة في قلبه و أنطق بها لسانه، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها و أخرجه منها سالما إلى دار السلام، يا أبا ذر إذا رأيت أخاك قد زهد في الدنيا فاستمع منه فإنه يلقى [١] الحكمة، فقلت:
يا رسول اللَّه من أزهد الناس [٢] فقال: من لم ينس المقابر و البلى و ترك فضل زينة الدنيا و آثر ما يبقى على ما يفنى و لم يعد غدا من أيامه و عد نفسه في الموتى، يا أبا ذر إن اللَّه تبارك و تعالى لم يوح إلي أن اجمع المال إلى المال و لكن أوحى إلي أن سبح بحمد ربك و كن من الساجدين و أعبد ربك حتى يأتيك اليقين، يا أبا ذر إني ألبس الغليظ و أجلس على الأرض و ألعق أصابعي و أركب الحمار بغير سرج و أردف خلفي، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
يا أبا ذر حب المال و الشرف أذهب لدين الرجل من ذئبين ضاريين في زرب
[١] . في مكارم الأخلاق: يلقن الحكمة.
[٢] . هكذا في مكارم الأخلاق و لكن في الأصل: من أزهد في النّاس.