الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٠ - صحب الرشيد إلى خراسان و عرض للرجوع بشعر فاذن له
فقال لي ابتداء: أيما أشعر عندك: العباس بن الأحنف أو أبو العتاهية؟ فعلمت الذي يريد، فأطرقت كأني مستثبت ثم قلت: أبو العتاهية أشعر. قال: أنشدني لهذا و لهذا؛ قلت: فبأيّهما أبدأ؟ قال: بالعباس. قال: فأنشدته أجود/ ما أرويه للعبّاس، و هو قوله:
أحرم منكم بما أقول و قد
نال به العاشقون من عشقوا
فقال لي: أحسن، فأنشدني لأبي العتاهية، فأنشدته أضعف ما أقدر عليه، و هو قوله:
كأنّ عتّابة من حسنها
دمية قسّ فتنت قسّها
يا ربّ لو أنسيتنيها بما
في جنّة الفردوس لم أنسها
إني إذا مثل التي لم تزل
دائبة في طحنها كدسها [١]
حتى إذا لم يبق منها سوى
حفنة برّ قتلت نفسها
قال: أ تعيّره [٢] هذا! فأين أنت عن قوله:
قال لي أحمد و لم يدر ما بي
أ تحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حبّ
ا جرى في العروق عرقا فعرقا
/ ويحك! أ تعرف لأحد مثل هذا، أو تعرف أحدا سبقه إلى قوله: «فتنفّست ثم قلت كذا و كذا»! اذهب ويحك فاحفظها؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، و لو كنت سمعت بها لحفظتها. قال إسحاق: و ما أشكّ إني كنت أحفظ لها حينئذ من أبي العتاهية، و لكنّي إنما أنشدت ما أنشدت تعصّبا.
صحب الرشيد إلى خراسان و عرّض للرجوع بشعر فاذن له
: قال محمد بن يزيد:
و حدّثت من غير وجه أنّ الرشيد ألف العباس بن الأحنف؛ فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها، ثم خرج إلى أرمينية و العباس معه ماشيا إلى بغداد، فعارضه في طريقه فأنشده:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا
ثم القفول فقد جئنا خراسانا
ما أقدر اللّه أن يدني على شحط
سكان دجلة من سكّان جيحان [٣]
متى الذي كنت أرجوه و آمله
أمّا الذي كنت أخشاه فقد كانا
عين الزمان أصابتنا فلا نظرت
و عذّبت بصنوف الهجر ألوانا
- في هذين البيتين الأخيرين رمل بالوسطى ينسب إلى مخارق و إلى غيره- قال فقال له الرشيد: قد اشتقت يا عبّاس و أذنت لك خاصة، و أمر له بثلاثين ألف درهم.
[١] التكدس: العرمة من الطعام و التمر و الدراهم و نحو ذلك.
[٢] في الأصول «أ تعيره بهذا». و هي لغة رديئة.
[٣] جيحان: اسم نهر.